
بقلم:ـ زياد تامر
لكل نفس قدرتها على التحمل
يقول راوٍ: لكل نفس قدرتها على التحمل وتكبد المشاق، حين تنتهى طاقة الفرد منا يغدو روحاً تائهة في جراح ما تكبده، قد يصمه الناس بالجنون؛ إذ كان الحزن الصادق أيامها يعرف بالإختلال أو المس، الألم أثر صادق إذا ثاب صاحبه يظل مليئاً بندوبه لا يقوى على تجميلها:
القاهرة .. 1937
ينكب الدكتور ألفريد على مكتبه يدرس إحدى حالاته المستعصاة.. يستذكر ما تعلمه في عقود دراسته الأبدية بلا جدوى! يسهو قليلاً في إعياء عن أوراقه يستمع إلى الراديو لسهرة أم كلثوم.. تشدو لأول مرة في حفل أغنية من إيقاع القصبجي سجلتها على أسطوانة منذ أعوام.. عجبي لكم يا أهل الشرق! لدى الشرق أيادي إبداع لا سابق ولا لاحق لها! يجمع القصبجي بين نقيضي الأرض؛ الشرق والغرب! لا يشعر بأنه يستمع إلى شيخٍ باكٍ أو امرأة تولول بل إلى فن! إلى آية من آي الجنان! بينما لا تستهويه أنامل الشاب الجديد الذي اكتسح الأيكة الكلثومية منذ عام أو يزيد ذاك السنباطي..
كان الجمع في المسرح يصرخ طرباً بجنون.. لهم الحق، لولا مركزه لجُن هو الآخر.. يرى أن الطرب جنون مؤقت صحيّ؛ يذوق صاحبه ومستمعه كنه الجنون ثم يعود سالماً بعدها كأن لم يختل عقله لدقائق! وتظل ذكراه من أحلى الدقائق قبل الموتة الأخيرة..
ولكن للمصريين روح عجيبة توارثتها الأجيال؛ تلك الروح تستشف الباطن والمخبأ.. انسجام بين السياق عجيب عكس باقي العرب فالعرب يتلذذون بالحس واللذة اللحظية أما المصريين فوحدهم يصنعون فناً روحياً كالذي يذاع الآن.. ودون غيرهم من يطربون بوجدانهم لا بلذتهم.. تشدو أم كلثوم شاكية ملاوعة المحبوبة ورغماً عنه يعود شجي الصوت إلى حالته الميئوس منها.
حالة عزيزة: لغز الإختلال النفسي
منذ تولى إحدى مسئوليات مستشفى العباسية لم تقابله حالة من الإختلال كما وجدها في عزيزة؛ لم تفلح أياً من جلسات الإخضاع للكهرباء! تعيش في دنيا منفصلة.. في عالمها الخاص.. تعيد تصوير مشاهد.. هو رغم خبرته وتجاربه مع المرضى يريد الركوع يضم اختلالها يصلي للإله كي يرأف بها ويأخذ روحها.. رغم إبداع أهل الشرق وشبابها وكدّهم المبالغ فيه إلى مواكبة الأدب وما استلهمه الغرب من علم ودراسة إلا أن دهاليز العقل المظلمة وتخبطاته النفسية ظلت لديهم مسّاً من الجنون الدائم والجان وجب إنباذ صاحبه.. لم يرَ للآن أياً من الزوار جاء لزيارة كرب تلك العزيزة! كأنهم فعلوا ما بوسعهم في إيداعها المستشفى وتنقية المجتمع وحماية الناس منها ومن أقرانها! ولكن لا يستطيع وصفهم بالجهل.. مثل ذاك القصبجي كيف يصمه بالجهل؟! مثل تلك الفلاحة التي صارت أيقونة من الطرب والأناقة وسحر الحديث كيف يظلمها بالجهل؟! حتى الغرب رغم تطورهم في ساحة العلم إلا أن أغلبهم أهملوا جزء العقل وأمراضه كأن الباطن من الأمور وأنفاق الروح ليست ذات أهمية طالما ليست شيئاً مادياً كصداع نصفي له مسكناً فيزول! لذلك يكره الغرب؟ ربما.. ليس الكل كفرويد وجانيت؛ رواد علم النفس والأعصاب.. لو يلقى أحدهم!
ذكرى مؤلمة وبحث عن الفهم
لا ينسى للآن كيف نُبذ هو وأمه حين مسّها الخبل ذات كرب واختلال.. هجرهم أبوه.. تبرأ منهما ذويهم.. لم يبقَ لها إلا الطفل الذي ضمته يوماً ما تبكي ألماً ما.. لو يدري لما فقدت إدراكها! لم تحكِ قط أيام اتزانها عما يختلج في صدرها.. نست الوجود.. صار لها عالمها الخاص. حاول مراراً أن يشاطرها الحديث عن تلك الفتاة الجميلة التي قبّلها.. أن يقرأ لها شعراً خطته إيميلي برونتي علّ رهف روحها الراحلة أن تحرك شيئاً ما في أمه.. أن يخبرها كيف مرّ يومه.. عن أحلامه.. وعبثاً حاول.. كانت ترنو له كأنها ترنو لكيان مهيب غير مفهوم.. مرة بكى أمامها يرجوها أن تضمه كما فعلت حين كان صغيراً.. أن تفيق مما هي فيه ولكنها ظلت ترنو له تحاول فهم كيف يسقط الماء من عينيه! عرضها على الأطباء.. لم يفلح أحد بل لم يحاول أحد عونها على الوعي.. حثوه على إيداعها في مستشفى المجانين.. رفض بشدة.. لن يهمل أمه. لن يتركها لعبث المستشفيات..
“إنها خطر عليك”
كيف بحق الإله؟! إنها أمي! لو كانت خطراً إذن الكون كله خطر! ربما عانت أمه من بطش أهلها طفلة ثم تزوجت فاسقاً جباناً يلعب القمار كي تهرب من البطش القديم ثم غرقت في عالم القمار والضرب لأجل المال كي يتبرع به مشكوراً لأصحاب الميسر.. ربما.. لا يذكر.. وذات يوم وهو في المدرسة شعر بنغز في صدره.. لم يفكر قليلاً.. جرى خارجاً من الصف دون اكتراث لصراخ المعلم ومسطرته.. ركض للبيت وداهمه خواء.. نادى بجنون أمه ووجدها رقودٌ على الأرض غارقة في دماء متجلطة.. غافلته الجارة المسئولة عنها في غيابه وخرجت لبعض الشئون وتُركت أمه وحيدة.. أمسكت ببساطة السكين ووضعته في صدرها هكذا ببساطة! فكيف يصف الشرق بالجهل والبلادة؟! على الأقل للشرق روح دفاقة لا ثلجاً في القلوب تستهوي الماديّ من العلم الملموس! منذ رأى الدماء حرص ونذر عمره لخدمة العقل والروح وأمراضهما.. درس علم النفس رغم اندثاره مكانة بين الطب والعلم ثم عُرض عليه بعد عقود الذهاب للمملكة المصرية ضمن حملة كرم توريد أطباء من كريم صنع الملك البريطاني.. لبى العرض بكل حماس.. حرص على تعلم اللغة العربية وهي من أعقد اللغات الشرقية الأجنبية.. انكب ليل نهار بجانب الدراسات والأبحاث وملفات المرضى يستذكر قواعد النحو ثم تعلم من إحدى المعلمين الحديث وأتقن إلى حد كبير الترنم بالحروف العربية حتى بات وكأنه مصري عاش في الخارج عمره.
محاولات ألفريد لفهم عزيزة وذاته
والآن ها هو على المكتب يدرس حالته النكراء.. أول ما تعجب له عدد المرضى القليل لحد المثالية في بلد تعج بالأمراض والوباء! نصف أهلها أميون! عزى ذلك لروحهم الدفاقة؛ مهما اختل الفرد منهم يلقى أغلبهم عوناً من الأهل والجيران.. لن يدعوه تحت رحمة أيادي الكهرباء! إذن أين أهل عزيزة؟! ما حكايتها؟! جاءت يومها إحدى السيدات بعزيزة.. أعطتها ليد الممرضة ورحلت بهدوء ولم تسعفنا بماضي المآسي لدى الفتاة! حين أودعت حالتها بين يديه درسها بعناية ورغماً عنه تذكر أمه. حين دخل عليها محراب الغرفة ليفحصها وجد فتاة في ثوب افرنجي لطيف صرخت في الكل أن لا يخلعوه عنها.. بريئة الوجه ذات مسحة من الأسى ترنو لعين ما كانت ترنو إليه أمه.. ابتسم بصدق مشجعاً يعرفها بنفسه.. كادت تنقض عليه باكية تصيح فيه أن لا يبتسم لها.. غريب! كيف لرمز الصدق والمودة أن يغدو رعباً ومأساة لفتاة شابة في ريع صباها؟! ألم يبتسم لها شاب قبلاً؟! ظل لأيام يتابعها عن بعد. كانت تجوب المحراب في حالة من التخبط وهذيان البكاء تبحث عن شئ ما ولا تجده ثم تتسمر فجأة وترنو للسرير.. تتقدم إليه بخطى وئيدة وجلة كمن يتقدم لحتفه.. تجلس على حافة السرير ترنو لموضع الرأس.. تمسك من الطاولة كوب ماء وتضم الهواء كأنها ترى شخصاً ما! تسقيه الماء وتُغرق الوسادة.. تهمس الصبية.. “لا بأس .. بالشفاء” تكاد تقع صريعة بعد أن يسعل أحد طاقم التمريض أو الأطباء.. تبكي بجنون لحد الإغماء.. خضعت للكهرباء بلا جدوى.. أين جانيت كي يكرمني بعلمه؟! ثم أنيرت في عتمة عقله فكرة تبدو من العبث النطق بها.. جانيت! كيف غفل عن هذا؟! خاض في الدرج باحثاً عن هداه حتى اهتدى إليه.. أمسك بنسخة حصل عليها من ملف دراسة الدكتور جانيت عن الهستيريا والعلاج بالسرد وكشف المستور وشرع يقرأ فيه.
للمأساة بقية… يُتبع..