التوكل والاتكالية: خط رفيع بين الإيمان والكسل

رضا رفعت
يُعدّ التوكل على الله مفهومًا أساسيًا في الإسلام، وهو ركيزة من ركائز الإيمان. لكن، قد يختلط هذا المفهوم لدى البعض بالاتكالية، وهي صفة سلبية قد تؤدي إلى الخمول والكسل. إن فهم الفرق بين هذين المفهومين أمر ضروري لتحقيق التوازن الصحيح بين الإيمان والسعي.
التوكل: ثمرة الإيمان والعمل
التوكل على الله هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار، مع الأخذ بالأسباب. إنه ليس مجرد شعور داخلي، بل هو عمل قلبي يتبعه عمل جسدي. المسلم المتوكل يؤمن بأن كل شيء بيد الله، وأن رزقه مقسوم وأجله محتوم، لكنه في الوقت ذاته، لا يجلس مكتوف الأيدي بانتظار المعجزات. بل يسعى بجد واجتهاد، يبذل قصارى جهده في عمله ودراسته وحياته، ثم يترك النتائج لله.
مثال على ذلك: الطالب الذي يدرس بجد واجتهاد، ويستذكر دروسه، ويحل واجباته، ثم بعد ذلك، يتوكل على الله ويدعوه أن يوفقه في امتحانه. هذا هو التوكل الصحيح. هو إيمان بأن الله لن يضيع جهدًا عاملاً.
يقول رسول الله ﷺ: “لو أنكم توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا”.
هذا الحديث الشريف يؤكد على أهمية السعي (“تغدو خماصًا”)، فليس معنى التوكل الجلوس في العش بانتظار الرزق. بل هو الخروج في طلب الرزق، مع الثقة بأن الله هو الرزاق.
الاتكالية: ثمرة الكسل وسوء الفهم
على النقيض تمامًا، تأتي الاتكالية، وهي صفة سلبية تنبع من سوء فهم لمفهوم التوكل. الشخص الاتكالي هو من يتخلى عن الأخذ بالأسباب بحجة “التوكل على الله”. إنه يعتقد أن إيمانه وحده كافٍ لتحقيق أهدافه، دون بذل أي جهد. هو شخص يريد النتائج دون السعي، ويرغب في النجاح دون العمل.
مثال على ذلك: الطالب الذي لا يدرس، ولا يراجع دروسه، ويقول: “أنا متوكل على الله وسأنجح”. هذا ليس توكلاً، بل هو اتكالية. هذه العقلية لا تجلب سوى الفشل والإحباط. الاتكالية هي نوع من الكسل المقنع بعباءة الإيمان، وهي تتعارض تمامًا مع تعاليم الإسلام التي تحث على العمل والسعي.
الفرق الجوهري
الفرق بين المفهومين يمكن تلخيصه في نقطة واحدة:
* التوكل: سعي + إيمان = نتيجة (بإذن الله).
* الاتكالية: إيمان (مزعوم) – سعي = لا شيء.
التوكل هو إيجابية وثقة، بينما الاتكالية هي سلبية وكسل. التوكل هو اقتداء بالأنبياء والصالحين الذين كانوا يعملون بجد واجتهاد ثم يثقون في تدبير الله. الاتكالية هي استسلام ويأس من العمل، والتخلي عن المسؤولية.
في الختام، يجب أن نعلم أن الله يحب من عبده أن يأخذ بالأسباب، ويسعى في الأرض، ويطلب من فضله. إن التوكل الحقيقي هو أن تكون قويًا في إيمانك بالله، وأن تكون قويًا في عملك وسعيك. لأن التوكل دون سعي هو مجرد أمل كاذب، والسعي دون توكل هو جهد لا ثمرة له. التوازن بينهما هو سر النجاح في الدنيا والآخرة. فهل أنت متوكل أم اتكالي؟