دنيا ودينسلايدر

التديُّن المنتج… حين يكون العمل عبادة

كتب: الدكتور إبراهيم درويش

لم تكن أزمة الأمة يومًا في قلة العبادات، ولا في ندرة المساجد، ولا في غياب حلقات الذكر؛ فقد امتلأت الساحات بالشعائر، وارتفعت الأصوات بالتسبيح والدعاء، لكن المفارقة المؤلمة أن واقعنا العام ازداد تراجعًا، وأصبحت أمتنا في ذيل الأمم علمًا واقتصادًا وعمرانًا. وهنا يفرض السؤال نفسه بحدة: كيف يجتمع كثرة المتدينين مع ضعف الأمة؟ وكيف تتجاور مظاهر التديُّن مع الفقر والتخلف والتبعية؟

الدكتور إبراهيم درويش كاتب ومفكر إسلامي يتحدث عن مفهوم التديُّن المنتج
إبراهيم درويش والتديُّن المنتج

الجواب – مع الأسف – أن التديُّن في كثير من صوره المعاصرة انحرف عن مقصده، وتحول عند البعض إلى تدين شكلي، أحُصتر في الشعائر المجردة، وانفصل عن العمل، وانسحب من ساحات الإنتاج، واكتفى بالزهد السلبي، والدروشة، والاشتغال بقضايا خلافية لا تبني إنسانًا ولا تنهض وطنًا.

أولًا: التديُّن الشكلي… عبادة بلا أثر

انتشر بيننا نمط من التديُّن يظن أصحابه أن القرب من الله يتحقق فقط بكثرة الصلاة والصيام والذكر، مع إهمال العمل، وتحقير المهن، والرضا بحياة الكفاف، وانتظار العطاء من الآخرين. تدينٌ ينفصل عن الواقع، ولا يحمل همّ الأمة، ولا يسأل عن أسباب التخلف، ولا عن مسؤولية المسلم في البناء والإعمار. وقد حذر القرآن الكريم من هذا الفصام بين القول والعمل، فقال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2–3]. فالعبادة في الإسلام ليست طقوسًا معزولة، وإنما منهج حياة، وأي تدين لا يثمر صلاحًا في الواقع، وإتقانًا في العمل، وعدلًا في السلوك، هو تدين ناقص، بل مشوَّه.

ثانيًا: معارك وهمية فرقت الأمة

من أخطر ما أفرزه هذا التديُّن المشوَّه، الانشغال بقضايا خلافية هامشية مثل: بدعة وسنّة، ظاهر وباطن، فرقة ناجية وأخرى هالكة، حتى تحولت المساجد إلى ساحات صراع، وتبدع الناس بعضهم بعضًا، ويكفر بعضهم بعضًا، وكل فريق يدّعي أنه وحده على الحق، وأنه وحده من أهل السنة والجماعة. قضايا – كما قال علماؤنا – الجهل بها لا يضر، والعلم بها لا ينفع، صنعها بعض الخبثاء وأعداء الدين، وقع فيها محدودو العلم، وأصحاب الأهواء والأيديولوجيات، فكانت النتيجة أمة ممزقة، متناحرة، عاجزة عن البناء. وقد نهى القرآن عن هذا المسلك صراحة، فقال تعالى:﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].

ثالثًا: الإسلام دين شامل… لا رهبانية فيه

الإسلام لم يأتِ ليصنع رهبانًا في الصوامع، ولا دراويش على هامش الحياة، بل جاء ليبني إنسانًا متوازنًا، يجمع بين العبادة والعمل، وبين الآخرة والدنيا. قال تعالى:﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنَسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]. وقال النبي ﷺ ردًا على من أرادوا الانقطاع للعبادة:«لكنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (متفق عليه). فلا رهبانية في الإسلام، ولا تعارض بين التقوى والعمل، بل العمل الصالح هو أحد أركان الإيمان.

رابعًا: الرسل والصحابة… قدوة في العمل

كل رسل الله كانوا أصحاب مهن: آدم عليه السلام عمل في الزراعة، نوح كان نجارًا، إدريس خياطًا، موسى راعيًا، وداود عليه السلام كان حدادًا، وقد قال الله فيه: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ۝ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: 10–11]. أما رسول الله ﷺ فعمل راعيًا ثم تاجرًا، وقال:«ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده» (رواه البخاري). وكذلك الصحابة؛ لم يكونوا عالة على غيرهم، بل كانوا تجارًا وزراعًا وصناعًا وقادة، بنوا دولة وأقاموا حضارة.

خامسًا: المسجد والسوق… معادلة النهوض

حين هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، لم يكتفِ ببناء المسجد، بل أقام السوق، وكأن الرسالة واضحة: لا عبادة بلا اقتصاد، ولا روح بلا جسد، ولا مسجد بلا سوق. فالمسجد يربي الضمير، والسوق يحقق الكرامة والاستقلال. لكن أعداء الأمة فهموا هذه المعادلة جيدًا، فشجعوا تدينًا منزوع الدسم، يُظهر المسجد ويُغيب السوق، ويقدس الفقر، ويمجد الكفاف، حتى تظل الأمة مستهلكة، تابعة، تنتظر الفتات. وتؤكد أخبار الديل الفكرية أن استعادة هذه المعادلة هي السبيل الوحيد للنهضة.

سادسًا: إعمار الأرض… عبادة مغفلة

المهمة الرئيسية للإنسان في الأرض هي الإعمار، قال تعالى:﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]. والإعمار هنا ليس ترفًا، بل تكليف شرعي، ونوع من العبادة، لا يقل أجرًا عن الصلاة والصيام إذا صلحت النية. وقال ﷺ:«إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن يغرسها فليفعل». فالإتقان، والإنتاج، والجد في العمل، كلها عبادات إذا استحضرت النية، وهذا هو جوهر التديُّن الحقيقي الذي تحتاجه مؤسسة الأزهر الشريف لترسيخه في القلوب.

سابعًا: من الشعائر إلى القيم

التديُّن الحق لا يُقاس بطول اللحية ولا بقصر الثوب، بل بالأمانة، والإتقان، والصدق، واحترام الوقت، وحسن المعاملة. قال ﷺ:«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه». وقال أيضًا: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» (رواه مسلم). فالقوة هنا قوة علم، وعمل، وعمل، واقتصاد، لا قوة بطش أو شعارات.

ثامنًا: دلالة مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

في هذا السياق تأتي أهمية ما دعا إليه مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، حين أكد على: وعي مجتمعي، وممارسات مهنية، تسهم في بناء إنسان متقن، ومجتمع منتج، ودولة تتقدم بالقيم كما تتقدم بالعلم والعمل والعمران. وهي رسالة تصحيح مسار، تؤكد أن التديُّن ليس هروبًا من الواقع، بل انخراطًا واعيًا فيه، وبناءً لا هدمًا، وإنتاجًا لا استهلاكًا.

ختامًا: كفى خداعًا للنفس

آن الأوان أن نراجع مفهومنا عن التديُّن، وأن ندرك أن الأمة لا تُبنى بالأذكار وحدها، ولا بالخلافات العقيمة، ولا بالانسحاب من ميادين العمل. المتدين حقًا هو الطبيب المتقن، والمهندس الأمين، والفلاح المجد، والعامل الصادق، الذي يذكر الله في عمله، ويخدم وطنه، ويعمر الأرض، ويرفض التبعية والكسل. أما تدين البطالة، وتقديس الفقر، والرضا بالهامش، فهو – وإن تلحف بالشعارات – خيانة لمقاصد الدين، وظلم للأمة، وتشويه لرسالة الإسلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights