حين يمرّ الزمن… ويُعاد تشكيل الإنسان
بقلم: أ.د/ ابراهيم درويش
العام الجديد في كل مرة نودّع عامًا ونستقبل آخر، نظنّ أو نُقنع أنفسنا أن الزمن يقف لحظة احترامًا لمشاعرنا، أو أن الأيام ستمنحنا فجأة نسخة أفضل من حياتنا لمجرد أن رقمًا تغيّر على التقويم.
لكن الحقيقة أكثر هدوءًا… وأكثر عمقًا. فالزمن لا يطرق الأبواب بعنف، ولا يعلن عن نفسه بضجيج.
يمرّ في صمت، يبدّل الأرقام، ويترك لنا الخيار: إما أن نفهم الرسالة… أو نواصل التجاهل.
فالأعوام لا تنقضي فجأة، بل تنسحب بهدوء، كما تنسحب أعمارنا دون ضجيج.
لا نشعر بالفارق إلا حين ننظر إلى الوراء، فنكتشف أن ما مضى لم يكن مجرد أيام، بل مواقف، وقرارات، وأخطاء، ومحاولات، وندم أحيانًا، ونضج أحيانًا أخرى.
وما بين عام يرحل وآخر يُقبل، لا يحدث شيء خارق في العالم الخارجي، لكن قد يحدث الكثير داخل الإنسان… إن أراد أن ينتبه.
ليست المشكلة في مرور عام… بل في مرورنا نحن… وليست العبرة في أن نعرف أن عامًا مضى، بل في أن نسأل أنفسنا بصدق:
ماذا تغيّر فينا؟.. هل أصبحنا أكثر وعيًا؟.. وأكثر رحمة؟.. وأكثر صدقًا مع أنفسنا قبل الآخرين؟
أم أننا فقط كبرنا رقمًا… وبقينا في المكان ذاته، نحمل الأفكار نفسها، ونكرر الأخطاء نفسها، ونبرّر لأنفسنا ما كنا نعرف منذ البداية أنه لا يليق بنا؟
الزمن لا يسرقنا، نحن الذين نترك أنفسنا على قارعة العادة، ونمضي.
وهو لا يخذلنا، بل يكشفنا: يكشف مدى قدرتنا على التعلّم، وعلى المراجعة، وعلى الشجاعة في الاعتراف.
الزمن ليس عدوًا… لكنه شاهد لا ينسى
الزمن لا يعادي أحدًا، ولا يُجامِل أحدًا… ولا يتحيز، ولا يقدّم تبريرات…. هو شاهد محايد، يسجّل دون تعليق، ويترك لنا تفسير النتائج.
يعطي الجميع الفرص ذاتها، لكن النتائج تختلف باختلاف الوعي، لا باختلاف الأعمار ولا الظروف.
ولهذا لم ينظر القرآن الكريم إلى تعاقب الليل والنهار باعتباره مجرد ظاهرة كونية، بل قدّمه بوصفه مساحة للتذكّر والمراجعة والمساءلة الذاتية: يقول تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾.
فالزمن لا يصنع الإنسان… بل يكشفه
يكشف إن كان يتعلّم من التجربة، أم يغيّر الأسماء ويُبقي الأخطاء.
يكشف من يزداد حكمة، ومن يزداد قسوة وهو يظن نفسه أقوى.
العام الجديد لا يحتاج ضجيجًا… بل نية… لا يحتاج العام الجديد إلى احتفالات صاخبة، ولا إلى وعود كبيرة تُكتب ثم تُنسى،.. بقدر ما يحتاج إلى نية صادقة.
فليس كل من استقبل عامًا جديدًا بدأ بداية جديدة،.. وليس كل من ودّع عامًا ترك خلفه ما يستحق الوداع.
البدايات الحقيقية لا تُرى، لأنها تبدأ من الداخل
تبدأ من قرار صامت بالتغيير، ومن مراجعة شجاعة للذات، ومن تصالح صادق مع القيم التي أهملناها تحت ضغط الحياة، أو بحجة “الواقع”.
التغيير لا يأتي دفعة واحدة، لكنه يبدأ بخطوة واضحة: أن نكون أفضل قليلًا مما كنا عليه، أهدأ، أعدل، وأقل قسوة على أنفسنا وعلى الآخرين.
ميلاد المسيح عليه السلام: حين تصنع المعجزة معنى
ويتزامن مطلع العام الميلادي مع ذكرى ميلاد السيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، ذلك الميلاد الذي لم يمرّ في التاريخ كحدث عادي، بل كرسالة إنسانية عميقة المعنى.
وقد احتفى به القرآن الكريم، ووقف عند تفاصيله في مواضع عدة، لا لإثارة الجدل، بل لتثبيت القيم.
فالمعجزة لم تكن فقط في ميلاده دون أب، بل في الرسالة التي حملها: رسالة الرحمة، والسلام، ونصرة الضعفاء، والارتقاء بالإنسان فوق قسوة الواقع، لا التكيّف معها.
والقرآن حين ذكر المسيح عليه السلام، لم يقدّمه كرمز خلاف، بل كنبي كريم، وكلمة من الله، وآية للعالمين. وهذا في ذاته رسالة بالغة الوضوح: أن الإيمان الحقيقي لا يصنع قطيعة بين الناس، بل يبني جسور فهم واحترام.
القيم لا تعرف حدودًا دينية
حين نتأمل سيرة السيد المسيح عليه السلام، لا نحتاج إلى كثير شرح لندرك أن القيم التي دعا إليها هي ذات القيم التي تحتاجها المجتمعات اليوم أكثر من أي وقت مضى: الرحمة بدل القسوة، الصدق بدل الزيف، السلام بدل العنف، والإنسان قبل الفكرة.
اقرأ أيضاً: مقالات رأي وقضايا مجتمعية هامة
وهنا تلتقي الرسالات السماوية في جوهر واحد، مهما اختلفت التفاصيل: بناء إنسان صالح، ومجتمع متماسك، وحياة أكثر عدلًا وأقل صراعًا. فالقيم لا تُقاس بالانتماء، بل بالأثر.
الوطن أولًا… لأن القيم تحتاج أرضًا تعيش عليها
في وطن واحد، يختلف الناس في المعتقد، لكنهم يشتركون في الألم والأمل، في الخبز والمستقبل، في الخوف على الأبناء، وفي الحلم بغدٍ أفضل.
وهنا تصبح القيم المشتركة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية.
فالوطن لا يُدار بالخلاف، ولا يستقر بالتصنيف، ولا يُبنى بالإقصاء، بل بالعدل، والاحترام، وحسن الظن، والعمل المشترك.
القيم لا تعيش في الفراغ، ولا تصمد في مناخ الكراهية، بل تزدهر حين تجد بيئة تحميها وتمنحها فرصة للتحقق.
ما الذي يبقى بعد أن تمضي الأيام؟
بعد سنوات، لن يتذكر أحد تفاصيل الجدل، ولا صخب اللحظات العابرة، ولا من قال ماذا في لحظة غضب.
لكن الذي سيبقى هو الأثر: كيف عاملت الناس؟.. هل كنت سببًا في تهدئة أم في إشعال؟.. هل أضفت معنى… أم زدت ضجيجًا؟
الأيام تمضي حتمًا،.. لكن الأثر اختيار…. وما نزرعه اليوم في القلوب، سنراه غدًا في الوجوه، وفي طريقة تعامل الناس مع بعضهم البعض.
الخلاصة التي نحتاجها ونحن نستقبل عامًا جديدًا
العام الجديد لا يطلب منا أن نكون مثاليين، بل أن نكون أكثر إنسانية.
وميلاد نبي دعا للسلام، لا يطلب منا الاحتفال، بل الفهم والاقتداء.
ومرور الزمن لا يدعونا للحزن، بل لليقظة… نحن لا نغيّر الزمان، لكننا نتغيّر به،.. إما إلى الأفضل حين نفهم رسالته،.. أو إلى الأسوأ حين نكرر الأخطاء ونُحمّل الأيام ما هو في الأصل خيارنا.
اللهم علّمنا من الأيام حكمتها، ومن مرورها معناها، واجعلنا ممن إذا مرّ الزمن بهم تركوا أثرًا طيبًا لا يُنسى… اللهم ازرع في قلوبنا الرحمة، وفي عقولنا الحكمة، وفي أوطاننا السلام.
اللهم اجعل اختلافنا ثراءً لا صراعًا، واجعل أعوامنا القادمة أقرب إليك، وأنفع للناس،.. وأصدق مع أنفسنا.




