بقلم/ د. ابراهيم درويش
في عالمٍ صارت فيه الكلمات أرخص من الوقائع، والأحكام أسرع من الفهم، لم يعد مستغربًا أن تتحول بعض المنصّات إلى محاكم افتراضية، يُدان فيها الأقوياء بكلام العاجزين، وتُحاكَم الدول المستقرة بخطابات المنكسرين. وفي قلب هذا المشهد، تقف مصر، لا لأنها أخطأت وحدها، بل لأنها ما زالت قائمة، بينما سقط غيرها أو يتهاوى.
اللافت أن كثيرًا من هذا الخطاب لا يصدر عن خصوم تقليديين، بل عن أشقاء تجمعهم اللغة، ويفرقهم الواقع. أشقاء أثقلتهم الهزائم، فاختاروا أن يهاجموا من صمد، بدل أن يسألوا أنفسهم: لماذا سقطنا وبقيت مصر؟
أولًا: حين يتحدث عن “الاحتلال” من عاش على المعونة..
من المفارقات الصارخة أن يتحدث بعضهم عن “مصر المحتلة”، بينما بلاده تتلقى المعونات منذ عام ١٩٤٨، غذاءً ودواءً ووقودًا وسلاحًا، ولم تعرف يومًا الاكتفاء الذاتي أو القرار المستقل. المفارقة الأكبر أن هذه المعونات نفسها تمرّ – سياسيًا أو إنسانيًا – عبر بوابة مصر.
مصر التي يُشكك في سيادتها، هي ذاتها التي لم تُدار يومًا من الخارج، ولم تُفرض عليها ميليشيا، ولم تُختطف مؤسساتها لحساب تنظيم أو جماعة. مصر التي يُطعن في استقلالها، لم تُسلّم قرارها الوطني لطرف، ولم تسمح بأن تتحول إلى ساحة صراع بالوكالة. السيادة لا تُقاس بالشعارات، بل بالقدرة على القرار، وبقاء الدولة، وتماسك مؤسساتها. ومن لا يملك ذلك، فليتأنَّ قبل توزيع شهادات الوطنية.
ثانيًا: خطاب “الصمود” من دول لا تملك سماءها..
تسمع من يتهم مصر بالخضوع، وهو لا يملك قرار الحرب ولا السلم، ولا يسيطر على أرضه أو سمائه، ولا يستطيع منع القصف عن مدنه متى شاء المعتدي. يرفع رايات “الصمود” بينما الواقع يقول إن الصمود الحقيقي يبدأ من الداخل، من بناء دولة، لا من ترديد الشعارات.
مصر خاضت حروبًا حقيقية، وقدّمت عشرات الآلاف من الشهداء، ودخلت معارك وجود لا معارك استعراض. وحين اختارت السلام، اختارته من موقع الدولة القوية التي تعرف متى تحارب ومتى تحمي شعبها من حروب بلا أفق. الفرق بين مصر وغيرها أن مصر تعاملت مع الصراع بعقل الدولة، لا بعاطفة المنصة.
ثالثًا: اتهام “الاستسلام” من دول مقسّمة..
يخرج من يتحدث عن تفريط مصر في أرضها أو نيلها، بينما بلاده ممزقة، مقسّمة، تعيش صراع النفوذ، وتدار أجزاؤها من عواصم متعددة. يتحدث عن الفقر في مصر، بينما اقتصاده قائم على المعونات، وموارده معطّلة، وملايين من شعبه يعيشون خارج وطنهم.
والحقيقة الصادمة أن نسبة معتبرة من هؤلاء يقيمون في مصر: يعملون، ويتعلمون، ويتعالجون، ويعيشون بكرامة، دون مخيمات لجوء، أو بطاقات إعاشة، أو خطاب كراهية. لم تُسألهم مصر يومًا عن موقف سياسي، ولم تُحاسبهم على رأي، ولم تُضيّق عليهم لأن دولهم فشلت. هذه ليست دعاية، بل واقع يعرفه من عاش في مصر، وعرف معنى الدولة حين تغيب في غيرها.
رابعًا: السخرية من الجيش… حين تغيب الجيوش..
من أكثر الخطابات عبثية، السخرية من قوة الجيش المصري، صادرة من دول بلا جيش موحد، ولا قيادة عسكرية مستقرة، ولا عقيدة وطنية جامعة. دول تتحرك فيها الجيوش الأجنبية بحرية، وتُدار معاركها من الخارج، ويُفرض عليها السلاح والهدنة معًا.
الجيش المصري ليس مادة للخطابة، بل مؤسسة عمرها آلاف السنين، لم تنقطع عن حماية الدولة، ولم تتحول إلى أداة ميليشياوية، ولم تُستخدم ضد الوطن. جيش يعرف أن مهمته حماية الدولة، لا الحكم بدلًا عنها، ولا المتاجرة باسمها.
خامسًا: الاقتصاد… بين التعثر والانهيار.
نعم، مصر تواجه ضغوطًا اقتصادية حقيقية، ولا أحد ينكر ذلك. لكن هناك فرقًا جوهريًا بين اقتصاد يتعثر، ودولة تنهار. مصر لم تُفلس، ولم تُعلن عجزها عن دفع رواتب، ولم تُغلق مؤسساتها، ولم تتحول إلى دولة فاشلة.
مصر تبني، وتوسّع بنيتها التحتية، وتستثمر في المستقبل، وتتحمل أعباء استضافة ملايين الأشقاء دون مقابل. الاقتصاد القوي ليس اقتصادًا بلا أزمات، بل اقتصاد يواجه أزماته دون أن يسقط.
سادسًا: رسالة للخارج… ومصارحة للداخل
الحديث عن مصر لا يحتاج إلى تزييف ولا تلميع، بل إلى إنصاف. مصر ليست دولة ملائكية، لكنها دولة حقيقية. أخطاؤها تُناقَش داخلها، وإصلاحها يتم بإرادة أبنائها، لا بتجريح الخارج. أما المواطن المصري، فمطالب اليوم بأعلى درجات الوعي: النقد حق، بل واجب، لكن جلد الذات ليس وعيًا. نقل خطاب الخصوم ليس وطنية. التفريق بين الإصلاح والهدم هو جوهر الانتماء الحقيقي. الدولة التي صمدت وسط هذا الإقليم المشتعل، لم تصمد بالمصادفة، بل بتضحيات، وقرارات صعبة، وثمن دفعه المصريون جميعًا.
لمعرفة المزيد عن تاريخ الدولة المصرية ومؤسساتها الراسخة، يمكنكم زيارة الموقع الرسمي للهيئة العامة للاستعلامات.
ختاماً.. مصر لا تُحاكم بالخطابة
مصر لا تطلب شهادة من أحد، ولا تنتظر تصفيقًا من الخارج. لكنها ترفض أن تتحول إلى شماعة لفشل الآخرين، أو مادة للخطابة الرخيصة، أو ساحة لتفريغ الغضب. من لا يعرف قيمة مصر، فليقرأ تاريخها. ومن لا يملك دولة، فليحترم معنى الدولة. ومن اعتاد الهتاف، فليتعلم أن الدول لا تُدار بالميكروفونات.
مصر باقية، لا لأنها بلا أزمات، بل لأنها تعرف كيف تواجهها. ومصر قوية، لا لأنها بلا أعداء، بل لأنها لم تفقد وعيها بنفسها. وتلك، في زمن الانهيارات، ليست فضيلة عادية… بل إنجاز يُحسب، ودولة تُحترم.
اقرأ أيضاً: حين يمرّ الزمن… ويُعاد تشكيل الإنسان


