فيلم الست: دراما إنسانية أم ترفيهية؟.. قراءة نقدية في سيرة “كوكب الشرق”
بقلم: زياد تامر
في الحديثين السابقين عن منظومة أم كلثوم وما فعلناه بتراثها ذكرتُ أني سأتحدث عن فيلم الست تفصيلاً بعد مشاهدتي إياه كي لا أبني أساس حُكمي على آراءٍ منقسمة انقساماً حاداً بين قبولٍ ومعارضة. ورغم ذلك لم أستطع الفرار من العديد من الآراء المنشورة على مواقع التواصل ولم أندهش لهذه المصارعة التي وقعت على حلبة الفيسبوك وبين المذيعين والنقاد وبين الجماهير.
ذهبتُ إلى السينما وعدت برأي جديد؛ أن كثيراً من الناس تركز على تفاصيل بعينها وتترك الأخرى التي تفسر أسباب عرضها وأن كثيراً من الناس من السهل عليهم التأثر بسهولة بآراء الغير.
واضح للجميع أن الفيلم قائمٌ على إنتاج ضخم والحرص على عرض البيئة الزمنية التي تدور أحداث الفيلم فيها. ولعب المخرج لعبته فأحضر العديد من النجوم الكبار ضيوفاً للفيلم ويدل أيضاً على ثقة النجوم ببراعة إخراجه.
اقرأ أيضاً: أحدث أخبار السينما والدراما وتحليلات النقاد
الفيلم يبدو كأنه يعرض سيرة أم كلثوم بشكل سينمائي ولكني شعرت أني أشاهد فيلماً وثائقياً عن مسيرة أم كلثوم في رداءٍ دراميّ والفيلم من رأيي محاولة بريئة لعرض عَلَمٍ من أعلام مصر دون المساس به بسوء. أعجبني الفيلم كأي شابٍ يحيا سينما عصره، وأعجبني كعملٍ حرص صُناعه على إخراجه بأكمل وجه ممكن.
اتفق معارضو الفيلم على عدة نقاط: أم كلثوم بخيلة، أم كلثوم ضحية لأبٍ استغل صوتها، أم كلثوم تعامل فرقتها بعجرفة وشدة، أم كلثوم تدخن. ونقطة إضافية أن التابعي أنشأ مجلته من مالها الخاص.
وأتفق فقط في نقطتين وهما التدخين والتابعي؛ فأم كلثوم كانت حريصة على صوتها فلا توجد مطربة واعية تدمر موهبتها بالتدخين في كل مشهد، والتابعي ليس صحفياً صغيراً كي ينتظر أم كلثوم لنيل دقيقتين للقاء صحفيّ ثم يأخذ رزمة من المال لإنشاء مجلة فقط لتكتب فيها أم كلثوم. أما باقي النقاط فتبدو للوهلة الأولى صحيحة ولكن نعود لذكر كون الناس تركز على تفاصيل وتترك الأخرى.
أم كلثوم بخيلة:
تبدو أم كلثوم فعلاً بخيلة لا تريد لأخيها أن يُبدد المال ولكن في مشهد آخر رغم أخطائه تُعطي للتابعي مبلغاً ضخماً لإنشاء مجلته. وفي مشهد أخير يصوّر تبرع أم كلثوم بمالها ومرورها على المحافظات لجمع التبرعات؛ الحدث الذي تسابق الجميع للبرهنة على أن أم كلثوم ليست بخيلة وهو معروض أصلاً في نهاية الفيلم.
أم كلثوم ضحية لأب استغلالي:
لم يفعل الأب في الفيلم سوى ما فعله الأب في الحقيقة -مع بعض الدرامية- وإلا لما صارتْ أم كلثوم؛ فكان حقاً يجوب بها الموالد لتغني.
أم كلثوم تسيء معاملة فرقتها:
في مشهد ما تصرخ أم كلثوم في الفرقة تريدهم أن يعزفوا بدون نوتة، ويسبق هذا المشهد مباشرة حوارها مع طبيبها وهي تشكو من مرضها وما تعانيه من عصبية وتعبٍ شديدين.
ومشهد آخر تصرخ في سيد سالم وتطرده، ويتلو هذا المشهد حضورها لمجلسه لتدعوه للعودة للعزف.
والصراخ كان قائماً على حرص أم كلثوم على الظهور بأفضل شكلٍ ممكن -خاصة ضمن سياق الفيلم. ولعل لذلك اكتفى صناع الفيلم بعرض المشهدين تأكيداً لجانب أم كلثوم الإنساني.
………………….
فيلم الست :
ورغم ذلك وقع الفيلم في سقطات كأي فيلم.
أولاً، لم أتمكن من تصديق أن البطلة هي أم كلثوم بعينها وحين دخلتْ في مرحلة الشيخوخة لم يتمكن المكياج من إقناع المُشاهد أن الماثلة أمامنا هي أم كلثوم ولكن هذا لا يمنع كون البطلة بذلتْ جهداً في تقمص الدور.
ثانياً، لم يتمكن صناع الفيلم من عرض حياة مليئة بالأحداث في فيلم مدته ساعتين ونصف، فأسقطوا أشخاصاً كان لهم تأثير على شخصية أم كلثوم: أبو العلا محمد الأب الروحي لأم كلثوم، زكريا أحمد وبيرم الذان أسسا مدرسة أم كلثوم الطربية والزجلية. وأخيراً رياض السنباطي الذي حاز على النصيب الأكبر من الثلاثينات لنهاية مسيرتها. وناهيك عن محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي وغيرهم.
ثالثاً، إدراج قصة حب مع شريف باشا صبري؛ كان زواجها من شريف فرصة نادرة لأم كلثوم فكرتْ بجدية في خوضها ولكن الأمر قطعاً لم يتطور ليكون قصة حب أثّرت فيها، وقصة حبها مع محمود الشريف لها حديثٌ آخر ولكن اتفق أغلب الناس على حقيقة خطبتهم.
رابعاً، بعضٌ من الأخطاء كوقوع أم كلثوم قبل أن تغني أول وصلة لها في باريس، وهي لم تقع إلا خلال حفلة الأطلال. وسرقة فيلتها من سفاحٍ. ولكنتها الريفية التي رافقتها طيلة الفيلم، فأي لقاء ظهرت فيه أم كلثوم كانت تتحدث فيه بمدنية سليمة.
وأخيراً، فيلم عن أم كلثوم لم يظهر فيه صوتها سوى في أغنيتين أما الباقي فكان لمطربة أخرى جميلة الصوت، وهكذا غفل صناع الفيلم عن إظهار صوتها للجيل الجديد.
………………….
وهكذا أكون قد قدمتُ رأياً بين آلاف الآراء عن الفيلم وأتمنى أن أكون قد أصبتُ ولو قليلاً في عدم الإنحياز لرأي ضد رأي.
ربما ساعد الفيلم على جعل الشباب يعرفون من تكون أم كلثوم ولو لم يكن بالصورة الكاملة ولكن تظل محاولة غير كاملة ككل المحاولات الصادقة أو الترفيهية.



