14 يناير عيد الآثاريين المصريين.. من التبعية الأجنبية إلى الإدارة الوطنية
عيد الآثاريين المصريين 14 يناير: قصة تمصير مصلحة الآثار وحماية التراث
بقلم: د. قاسم زكي
عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين
في الرابع عشر من يناير من كل عام، تحتفل مصر بـ عيد الآثاريين المصريين، مناسبة لا تُعد مجرد احتفاء بوظيفة أو تخصص علمي، بل هي وقفة تقدير لمسيرة وطنية طويلة، حمل فيها الآثاري المصري على عاتقه مسؤولية حماية الذاكرة الجمعية لمصر، والدفاع عن تاريخها في مواجهة عوامل الزمن، وأطماع البشر، وتقلبات السياسة والاقتصاد. إن هذا اليوم هو اعتراف رمزي بدور رجال ونساء وقفوا – ولا يزالون – على خطوط المواجهة الأولى دفاعًا عن حضارةٍ تعد الأقدم والأغنى أثراً في التاريخ الإنساني.
عيد الآثاريين المصريين … دلالة تاريخية ومعنوية
يرتبط اختيار يوم 14 يناير عيداً للآثاريين المصريين بمناسبة تاريخية فاصلة؛ إذ في هذا اليوم من عام 1953 صدر القرار الرسمي بإنشاء مصلحة الآثار المصرية بصورتها الوطنية الحديثة، وانتقل الإشراف الفعلي على آثار مصر إلى إدارة مصرية خالصة، بعد ما يقرب من قرن من الهيمنة الأجنبية على العمل الأثري منذ تأسيس المصلحة عام 1858 على يد أوجوست مارييت. وقد شكّل هذا التاريخ بداية مرحلة جديدة استعاد فيها المصريون دورهم الطبيعي في إدارة تراثهم، وأعلن بوضوح أن علم الآثار في مصر يجب أن يكون بعقول وأيدي مصرية، منفتحة على العالم دون تبعية له. كما مثّل هذا اليوم تصحيحاً لمسار طويل ظل فيه الآثاري المصري يعمل في الظل، بينما تُنسب الاكتشافات وتُقدَّم الرواية الحضارية المصرية بأقلام غير مصرية، فجاء 14 يناير رمزاً للسيادة العلمية، واستعادة الصوت المصري في قراءة وحماية تاريخه.
اقرأ أيضاً: زكي محارب.. إمبراطور تهريب المومياوات وفصل مظلم من تاريخ نهب الآثار
الآثاري المصري: أكثر من باحث في الماضي
الآثاري المصري ليس مجرد قارئ للنقوش، أو مُرمِّم لقطعة حجرية، أو مشرف على حفائر علمية. إنه حارس للزمن، ووسيط بين الحاضر والماضي، ومشارك فعلي في صياغة صورة مصر أمام العالم. فهو الذي يعيد قراءة الشاهد الأثري في سياقه الحضاري، ويمنحه معنى علمياً وإنسانياً، ويضعه في متناول المجتمع، لا باعتباره بقايا صامتة، بل باعتباره رسالة حيّة عن الإبداع الإنساني.

في زمن تتسارع فيه المعرفة، وتتغير فيه أدوات البحث، لم يعد الآثاري المصري أسير الفأس والفرشاة فقط، بل أصبح باحثاً متعدد المهارات: يجمع بين المنهج الأثري الكلاسيكي، وتقنيات التحليل المعملي، والتصوير الرقمي، ونظم المعلومات الجغرافية، وحتى علوم الوراثة القديمة والفيزياء والكيمياء. هذا التطور جعل من الآثار علماً تفاعلياً معاصراً، لا دراسة جامدة للماضي.
معارك صامتة… وتضحيات منسية
الحديث عن عيد الآثاريين لا يكتمل دون التوقف أمام المعاناة اليومية التي يعيشها الآثاري في مواقع العمل، خصوصاً في المناطق النائية والصحراوية. حرارة قاسية، وبُعد عن الخدمات، ومخاطر طبيعية وأمنية، وضغوط إدارية، وإمكانات مادية محدودة. ورغم ذلك، يواصل الآثاري عمله بإيمان لا يتزعزع بأن ما يحميه اليوم، سيحمي هو الوطن غداً.

ولا يمكن إغفال دور الآثاريين في فترات الاضطراب السياسي والأمني، حين وقفوا كخط دفاع أول عن المواقع الأثرية والمتاحف، ومنعوا محاولات النهب والتخريب، وكثيراً ما فعلوا ذلك دون سند إعلامي أو تقدير رسمي كافٍ. إنها بطولات صامتة لا تُروى كثيراً، لكنها تشكل العمود الفقري لحماية التراث.
بين التراث والتنمية.. ومعركة الوعي
لم يعد دور الآثار في مصر مقتصراً على الحفظ والدراسة، بل أصبح جزءاً أساسياً من معادلة التنمية المستدامة. فالآثاري اليوم مطالب بأن يوازن بين حماية الموقع الأثري، ومتطلبات السياحة، واحتياجات المجتمع المحلي. وهذا توازن شديد الدقة، يتطلب علماً وخبرة ووعياً اجتماعياً.
أخطر ما تواجهه الآثار ليس التهريب فقط، بل التشويه والقراءة المبتسرة وفقدان الوعي المجتمعي بقيمتها. وهنا يبرز دور الآثاري كمثقف عام، لا يكتفي بالنشر الأكاديمي، بل يشارك في بناء الوعي الشعبي، خصوصاً لدى الأجيال الجديدة. إن الدفاع عن الهوية المصرية لا يتم بالشعارات، بل بتقديم رواية علمية رصينة، ومُيسّرة في الوقت نفسه، تبرز عظمة الحضارة المصرية دون مبالغة، وتوضح إنجازاتها دون إسقاطات أيديولوجية. والآثاري المصري هو الأجدر بقيادة هذه المعركة الفكرية.

تحديات العصر.. ورسالة للمستقبل
يواجه الآثاريون المصريون اليوم تحديات غير مسبوقة، على رأسها: تهريب الآثار عبر شبكات دولية معقدة، التغيرات المناخية وتأثيرها على المواقع الأثرية، الزحف العمراني على المناطق التاريخية، والحاجة إلى رقمنة التراث وتوثيقه قبل فقدانه. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في أداء المنظومة الأثرية المصرية، سواء على مستوى الاكتشافات الكبرى، أو استرداد القطع المهربة، أو تطوير العرض المتحفي.
في عيدهم، لا يحتاج الآثاريون إلى كلمات مجاملة بقدر ما يحتاجون إلى: دعم حقيقي للتدريب والبحث العلمي، تحسين ظروف العمل الميداني، تمكين الكفاءات الشابة، وتعزيز مكانة الآثاري المصري في الإعلام وصنع القرار الثقافي. فمصر، التي علّمت العالم معنى الحضارة، لا يمكنها أن تحمي هذا الإرث إلا بآثاريين مؤمنين بدورهم، مدعومين بوعي مجتمعي، وإرادة مؤسسية.
عيد الآثاريين المصريين ليس مجرد تاريخ في التقويم، بل هو تذكير سنوي بأن مصر لا تُحفظ بالحجارة وحدها، بل بالعقول التي تفهمها، والقلوب التي تحرسها. تحية لكل آثاري يقف في صمت أمام شاهدٍ عمره آلاف السنين، ويعرف أن مهمته لا تنتهي عند الاكتشاف، بل تبدأ من هناك. كل عام والآثاري المصري بخير.
للاطلاع على أحدث الاكتشافات وجهود وزارة السياحة والآثار، يمكنكم زيارة الموقع الرسمي للوزارة.



