في لحظة حبست فيها المنطقة أنفاسها ترقباً لردود الفعل الدولية على تصعيد الملف النووي، اختارت القاهرة أن تمارس دورها التاريخي كـ “صمام أمان” للشرق الأوسط. ففي مساء السبت، 31 يناير 2026، تلقى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً بالغ الأهمية من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. هذا الاتصال لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل جاء في توقيت شديد الحساسية، بعد أيام قليلة من “قمة دافوس” التي جمعت السيسي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليرسم ملامح وساطة مصرية جديدة تهدف لمنع تكرار سيناريوهات المواجهة العسكرية التي لوحت بها واشنطن مؤخراً.
كواليس الوساطة: من “دافوس” إلى “طهران”
وفقاً للبيان الصادر عن السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، فإن المحادثات ركزت بشكل أساسي على تطورات الملف النووي الإيراني. رصدت الدليل نيوز تحليلات سياسية تشير إلى أن الرئيس السيسي نقل للجانب الإيراني “رسائل مباشرة” حول رؤية الإدارة الأمريكية الجديدة تحت قيادة ترامب. مصر، التي ترفض الحلول العسكرية جملة وتفصيلاً، تضع ثقلها السياسي اليوم لإعادة “قطار المفاوضات” إلى سكته الصحيحة، مؤكدة أن الدبلوماسية هي السبيل الوحيد لتجنيب المنطقة ويلات حرب قد لا تبقى ولا تذر.

اللافت في الاتصال هو “الوضوح المصري” في رفض التصعيد؛ حيث شدد الرئيس السيسي على أن استقرار الشرق الأوسط يرتبط بشكل عضوي بالتوصل إلى تسوية شاملة وسلمية لهذا الملف. هذه الرؤية المصرية تتوافق مع ما ذكره الرئيس خلال لقائه الأخير بترامب في منتدى دافوس، حيث تسعى القاهرة لتكون “الجسر” الذي يربط بين عقلية “فن التفاوض” الأمريكية وبين رغبة إيران في الحفاظ على أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي بعيداً عن شبح العقوبات القاتلة أو الضربات الجراحية.
التحليل السياسي: لماذا تثق طهران في “صوت القاهرة”؟
تاريخياً، شهدت العلاقات المصرية الإيرانية عقوداً من الجمود، لكن عام 2026 يمثل “العصر الذهبي” للواقعية السياسية. الرئيس الإيراني بزشكيان أعرب خلال الاتصال عن شكره العميق للدور المصري، وهو اعتراف صريح بأن القاهرة تمتلك “مفاتيح” التهدئة بفضل علاقاتها المتوازنة مع القوى الكبرى. وبحسب تقارير الجزيرة الإخبارية ومراكز الدراسات، فإن إيران تدرك أن مصر هي الدولة الوحيدة القادرة على صياغة “صيغة توافقية” تحترم سيادة الدول وتنزع فتيل التوتر النووي دون إراقة دماء.
التحديات والفرص أمام طاولة المفاوضات
رغم هذه الإيجابية، تظل التحديات التقنية والسياسية قائمة. فالمطالب الأمريكية بالرقابة الصارمة تقابلها رغبة إيرانية في رفع كامل للعقوبات. هنا يأتي دور “المقترح المصري” المتوقع، والذي قد يعتمد على العودة التدريجية للاتفاق النووي مقابل حوافز اقتصادية إقليمية تشارك فيها مصر ودول الخليج. إن نجاح السيسي في إقناع ترامب بجدوى الحوار هو نصف المعركة، أما النصف الآخر فيكمن في مدى استجابة طهران للمخاوف الأمنية الإقليمية التي تثيرها إسرائيل وبعض القوى الدولية.
ختاماً، إن اتصال السيسي وبزشكيان في 31 يناير 2026 هو رسالة طمأنة للشعوب العربية بأن “الخيار العسكري” ليس قدراً محتوماً. إن “الدليل نيوز” تتابع معكم هذه التحركات الدبلوماسية المتسارعة، مؤكدة أن القاهرة ستظل دائماً هي “البوصلة” التي توجه المنطقة نحو بر الأمان، بعيداً عن صراعات المحاور ومغامرات القوة، في مشهد يؤكد أن السلام القوي هو السلام الذي تحميه الدبلوماسية الذكية والمصالح المشتركة.




