في انتصار جديد لـ سيادة القانون وترسيخاً لمبادئ الحرية الشخصية التي كفلها الدستور المصري، أصدرت الدائرة الجنائية “و” بمحكمة النقض حكماً قضائياً فريداً من نوعه، وضعت من خلاله حداً فاصلاً لضوابط تفتيش المدنيين وتحديد الاختصاصات المكانية والنوعية لجهات الضبط. هذا الحكم لم يكن مجرد فصل في قضية حيازة مواد مخدرة، بل جاء كوثيقة قانونية تحمي حرمة الأشخاص من أي إجراءات تعسفية قد تشوبها عيوب بطلان الاختصاص، مؤكداً أن العدالة لا تتجزأ وأن صحة الإجراءات هي الضمانة الأولى والوحيدة لإدانة أي متهم أو براءته، وهو ما يتماشى مع السياسة التحريرية لموقع الدليل نيوز في تسليط الضوء على الحقوق والحريات السياسية والمدنية.
دلالات الحكم في ترسيخ الدولة المدنية وسيادة القانون
تتحصل وقائع القضية في قيام ضابط برتبة “مقدم أركان حرب” يشغل منصب قائد كتيبة استطلاع، بضبط أحد المواطنين أثناء استقلاله دراجة بخارية بدون لوحات معدنية في منطقة تقع جنوب شرق البلاد. وبسؤال المتهم عن التراخيص وإفادته سلباً، قام الضابط بتفتيشه ليعثر بحوزته على لفافتين من جوهر “الأفيون” المخدر. وبناءً على هذه الإجراءات، قضت محكمة الجنايات بمعاقبة المتهم بالسجن المشدد، إلا أن هذا الحكم اصطدم بصرامة القواعد القانونية التي ترعاها محكمة النقض، خاصة فيما يتعلق بمدى اختصاص الضابط العسكري بمباشرة مهام الضبط القضائي تجاه المدنيين في غير الأماكن العسكرية المحددة بنص القانون.
تفسير سياسي للمادة الخامسة من قانون الأحكام العسكرية
استندت محكمة النقض في حيثيات حكمها التاريخي إلى نص المادة الخامسة من القانون رقم 25 لسنة 1966، والتي حددت بدقة الأماكن التي تسري عليها سلطة الضبط العسكري. وأوضحت المحكمة أن الاختصاص يقتصر مكانيًا على الأماكن التي يشغلها العسكريون لصالح القوات المسلحة. وبمراجعة مكاتبات وزارة الدفاع، ثبت للمحكمة أن مكان الضبط يقع خارج هذه الأراضي، مما يعني خروج الواقعة عن ولاية القائم بالضبط. هذا التفسير يعكس رغبة القضاء المصري في حماية “المجال المدني” من أي تداخل في الاختصاصات، وهو ما يعد ركيزة أساسية في بناء المؤسسات الدستورية الحديثة.
بطلان الإجراءات كسياج لحماية الحقوق السياسية
أرست المحكمة مبدأً سياسياً وقانونياً جوهرياً يتمثل في أن بطلان إجراءات التفتيش لعدم اختصاص القائم بها، يترتب عليه بالضرورة بطلان الدليل المستمد منه. وأكدت النقض أن بطلان الضبط يؤدي حتماً للبراءة مهما كانت المضبوطات. هذا الحكم يبعث برسالة طمأنة للمجتمع السياسي والحقوقي مفادها أن الحرية الشخصية مصونة بسياج من الضمانات، وأن المشرع المصري وضع معايير صارمة للفصل بين الاختصاصات لضمان عدم المساس بحقوق المواطنين خارج إطار القانون المنظم لكل جهة.
يظل هذا الحكم القضائي نبراساً يؤكد على أن حماية المجتمع لا يجب أن تكون على حساب هدم القواعد الإجرائية التي هي أساس العدالة. محكمة النقض بهذا القرار تعيد التأكيد على أن “سيادة القانون” هي حائط الصد الأول الذي يمنع المساس بالحريات، ويضمن أن تكون الدولة بكافة مؤسساتها خاضعة للدستور في المقام الأول.




