فوضى عالمية: رسوم ترامب 15% تضرب التجارة الدولية بعد حكم المحكمة
لم تكد تمضي ساعات على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زهوه بشعار “أمريكا تفوز مرة أخرى”، حتى استيقظ الاقتصاد العالمي على وقع “زلزال جمركي” غير مسبوق، زرع بذور الفوضى في كبرى العواصم المالية من طوكيو إلى بروكسل. فبينما كان ترامب يحتفي بجذب استثمارات يابانية بقيمة 550 مليار دولار، جاءت “صفعة” المحكمة العليا الأمريكية لتهدم المعبد فوق رؤوس الجميع، بعد أن أبطلت نظام التعريفات الجمركية الذي اعتبرته غير قانوني. هذا الارتباك في البيت الأبيض لم يتوقف عند حدود الداخل، بل تحول إلى صرخة فزع عالمية بعد فرض رسوم بنسبة 15% على معظم الصادرات المتجهة إلى واشنطن، مما وضع الحلفاء والخصوم على حد سواء في “فخ جمركي” يهدد بتقويض أركان النظام التجاري الدولي الذي تشكل عبر عقود.
انقلاب السحر على الساحر.. كيف سقطت استراتيجية ترامب في قبضة القضاء؟
تاريخياً، شهد عام 2025 تمزيقاً كاملاً للاتفاقيات التجارية المتعددة الأطراف بقرار من دونالد ترامب، الذي آمن بأن “الحروب التجارية سهلة الربح”. إلا أن الواقع القانوني في 2026 أثبت عكس ذلك؛ حيث تعرضت محاولته لإعادة تشكيل التجارة الدولية لهزيمة قاسية في المحكمة العليا الأمريكية. وأثار حكم المحكمة بأن جزءاً كبيراً من نظام التعريفات الجمركية الذي فرضه ترامب غير قانوني غضب الرئيس، وأضاف مزيداً من الارتباك وعدم اليقين إلى عالم مضطرب أصلاً. وبدلاً من أن تكون الرسوم “مشرطاً” لتعديل العجز التجاري، تحولت إلى “هراوة” تضرب الجميع دون تمييز، مما دفع المستثمرين للهروب نحو الملاذات الآمنة مع تراجع مؤشرات البورصات العالمية يوم الاثنين الماضي.
هذا التخبط التشريعي في واشنطن يعيد إلى الأذهان حقبة “كساد الثلاثينيات” عندما أدت السياسات الحمائية إلى انكماش الاقتصاد العالمي. وتؤكد تقارير منظمة التجارة العالمية أن لجوء البيت الأبيض لفرض رسوم بنسبة 15% اعتبارا من الأسبوع الجاري يمثل انتهاكاً صارخاً لقواعد التبادل التجاري، ويجبر الدول على مراجعة اتفاقياتها الثنائية التي أُبرمت تحت ضغط التهديد، وهو ما ينسجم مع رؤية موقع الدليل نيوز في تتبع أبعاد الأزمات الاقتصادية وتأثيرها على الأسواق الناشئة.
اليابان والاتحاد الأوروبي في “مهب الريح”.. خريف الاتفاقات التفضيلية
تعد اليابان الضحية الأكبر لهذا الاندفاع؛ فبعد أن سارعت طوكيو لإبرام اتفاق تجاري وتعهدت بضخ استثمارات ضخمة مقابل خفض الرسوم، تجد نفسها اليوم تواجه تعريفة الـ 15% مثلها مثل أي دولة لم تقدم أي تنازلات. هذا الوضع لم يقتصر على اليابان، بل امتد ليشمل لندن وبروكسل وسول وجاكرتا؛ فالمسؤولون في هذه الدول قدموا تنازلات مؤلمة لضمان “مكانة تفضيلية”، والآن يجد الكثيرون أنفسهم في وضع أسوأ مما لو لم يبرموا أي اتفاقيات على الإطلاق. وكما ذكرت صحيفة “الجارديان” البريطانية، فإن مصداقية الولايات المتحدة كشريك تجاري أصبحت محل تساؤل كبير في ظل غياب “الوضوح التام”.
رد الفعل لم يتأخر كثيراً؛ فقد علق الاتحاد الأوروبي التصديق على اتفاقيته مع الولايات المتحدة الأمريكية، مطالباً بضمانات حقيقية وليس مجرد وعود شفهية من ترامب. التحليل الجيوسياسي يشير إلى أن بروكسل لم تعد تثق في قدرة الإدارة الأمريكية على الالتزام بتعهداتها أمام “فيتو” القضاء الداخلي، مما قد يشعل حرباً تجارية عبر الأطلسي تزيد من تكاليف المعيشة في أوروبا وأمريكا على حد سواء، تحت إشراف المفوضية الأوروبية للتجارة التي بدأت بالفعل في دراسة إجراءات مضادة.
مستقبل التجارة الدولية.. هل انتهى عصر “العولمة” بقرار من ترامب؟
الغموض الذي يلف السياسة الجمركية الأمريكية اليوم يطرح تساؤلاً جوهرياً: عماذا تتفاوض الدول تحديداً؟ فالدول التي تجري محادثات حالياً لعقد اتفاقيات مماثلة مع البيت الأبيض، باتت تتساءل عن جدوى الجلوس على مائدة المفاوضات إذا كانت النتائج ستتبخر بقرار من المحكمة العليا أو بـ “تغريدة” رئاسية مفاجئة ترفع الرسوم لـ 15%. هذا التخبط يمنح خصوم واشنطن، وعلى رأسهم الصين، فرصة ذهبية لتقديم أنفسهم كبديل “مستقر” للنظام التجاري العالمي، بعيداً عن سياسة “ليّ الذراع” الجمركية التي يتبعها ترامب.
في الختام، يبرهن اندفاع دونالد ترامب لإصلاح استراتيجيته الجمركية على أن “الفوضى” أصبحت هي المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي في 2026. إن الخلاصة المريرة هي أن كل دولة تقريباً ستواجه تعريفة جمركية بنسبة 15٪ على معظم صادراتها إلى الولايات المتحدة، مما يعني أن “خريف الاتفاقات” قد بدأ فعلياً، وأن العالم مقبل على مرحلة من الانكماش التجاري الذي لن ينجو منه أحد، ما لم يتم العودة إلى لغة العقل والمواثيق الدولية التي تحمي الجميع من تغول النزعات القومية المتطرفة.




