عائلة غالي: نفوذ دبلوماسي وظلال أثرية (أشهر لصوص الآثار المصرية ٣٠)

كتب : د.قاسم زكي
عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
في أرشيف التاريخ المصري الحديث، يبرز اسم أسرة بطرس غالي كواحدة من أبرز العائلات القبطية التي لعبت أدوارًا محورية في السياسة والدبلوماسية والثقافة المصرية. فقد تولّى بطرس باشا غالي رئاسة الحكومة مطلع القرن العشرين، واغتيل بسبب مواقفه المثيرة للجدل، بينما لمع حفيده بطرس بطرس غالي على الساحة الدولية كأول عربي يشغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة. كما عرف المصريون مريت بطرس غالي كمثقف ودبلوماسي صاحب حضور أكاديمي بارز. لكن بعيدًا عن الأضواء الرسمية، تلاحق اسم العائلة شكوك وتساؤلات تتعلق بارتباط بعض أفرادها بتجارة الآثار المصرية أو امتلاكها، في سياق يشير إلى شبكة أوسع من الأسر التي تعاملت مع التراث كملكية خاصة. هذه القضايا لا تمس مجرد ملكية خاصة، بل تتعلق بإرث حضاري يشكل هوية شعب، ويتطلب مساءلة عادلة وشفافة لمن شارك في تداوله أو التفريط فيه.
تزيين قصور عائلة غالي بالآثار المصرية:
كانت ظاهرة اقتناء الآثار منتشرة بين طبقة الأعيان والأرستقراطية في مصر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث كان يُنظر إلى القطع الأثرية باعتبارها رمزًا للرقي الاجتماعي. لم تكن القصور الفخمة تكتمل في نظر البعض دون وجود تمثال فرعوني أو قطعة نادرة من العصر البطلمي. وقد تميزت أسرة بطرس غالي بذلك، إذ تشير مذكرات تاريخية ومصادر صحفية إلى أن منازلهم، خاصة الواقعة في وسط القاهرة، كانت تضم قطعًا أثرية أصلية من عصور متعددة، بعضها لم يكن مسجلاً أو موثقًا في سجلات الدولة. في حوار لصحيفة ‘الدستور’ عام 2017م مع مدير إدارة الحيازة بوزارة الآثار، كشف محمود خليل عن امتلاك أفراد من العائلة لعشرات القطع، مؤكداً أن بعضها لا يزال محل متابعة قانونية.
خلال توليه مناصب كبرى كوزير للخارجية والمالية ثم رئيسًا للوزراء، كان بطرس باشا غالي جزءًا من دائرة النفوذ التي كانت تتعامل بسهولة مع البعثات الأجنبية والمجتمع الدولي. في تلك الفترة، كانت مصلحة الآثار تحت الإدارة الفرنسية بقيادة جاستون ماسبيرو، وكانت القوانين تسمح بما يسمى ‘نظام القسمة’، الذي يتيح تقسيم المكتشفات الأثرية بين البعثات الأجنبية والحكومة المصرية. هذا النظام سمح لكثير من المسؤولين بالحصول على قطع أثرية كهدايا أو امتيازات، وأدى إلى خروج آلاف القطع من مصر بشكل رسمي أو غير رسمي. ومع مرور الوقت، ظهرت قطع في مزادات أوروبية توصف بأنها من مجموعة ‘بطرس غالي’، مما أثار الريبة حول مصدرها وشرعية اقتنائها.
مقتنيات مريت غالي في مزاد كريستيز:
في فبراير 1998م، اهتز الوسط الثقافي والإعلامي المصري عندما أعلنت دار ‘كريستيز’ للمزادات بلندن عن عرض مجموعة من القطع الأثرية المصرية للبيع، تعود ملكيتها إلى شخصية عامة مصرية. وسرعان ما تبيّن أن المالك هو الدكتور مريت بطرس غالي. شملت المعروضات تماثيل فرعونية صغيرة، وقلادات، وأواني جنائزية، بيعت بأسعار باهظة. وعلى الرغم من محاولة بعض الجهات الرسمية تبرير الأمر بأن القطع ‘موروثة’ أو تم اقتناؤها قبل صدور قانون حماية الآثار عام 1983م، فإن الرأي العام لم يقتنع، واشتعلت تساؤلات حول كيفية خروج تلك الكنوز، وما إذا كانت مدرجة أصلاً ضمن سجلات هيئة الآثار. ويؤكد خبراء القانون أن تغاضي الدولة عن متابعة تلك القضايا يجعل القانون نفسه موضع شك في نظر الرأي العام.
القانون والمحاباة:
القانون رقم 117 لسنة 1983 بشأن حماية الآثار جاء ليفرض رقابة صارمة على حيازة وبيع ونقل الآثار المصرية، واعتبر أي حيازة خاصة غير مسجلة بمثابة مخالفة جنائية. ورغم ذلك، فإن الدولة لم تقم بمصادرة المجموعات الأثرية التي كانت بحوزة العائلات الأرستقراطية قبل صدور القانون، بل اكتفت بالتجاهل أو التسوية، مما سمح باستمرار ظاهرة ‘الآثار الخاصة’. ومن هنا يُطرح التساؤل الأخلاقي: هل بيع تلك الآثار لاحقًا قانوني لمجرد أن الحيازة سبقت القانون؟ وهل يمكن فصل القانون عن القيمة الوطنية للتراث؟
بالرغم من عدم فتح تحقيقات جنائية ضد مريت بطرس غالي، فإن الواقعة أثّرت بشكل كبير على سمعته كمثقف وأكاديمي، بل اعتبرها البعض وصمة لا تُمحى من سجله. فقد مثل المزاد – من وجهة نظر كثير من المصريين – خيانة صامتة لتراث الوطن، خاصة حين تأتي من شخص يفترض أنه من المدافعين عن الهوية والحضارة المصرية. وزاد الطين بلة أن المزاد أعقبه صمت رسمي وعدم مساءلة، ما عزّز الإحساس الشعبي بوجود ازدواجية في تطبيق القانون.
رؤوف بطرس وقضية الحاوية الدبلوماسية في إيطاليا:
في عام 2018م، تفجّرت قضية تهريب آثار ضخمة إلى إيطاليا عبر حاويات دبلوماسية، وكان أحد المتهمين الرئيسيين فيها هو رؤوف بطرس غالي، الممثل المصري وشقيق وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي. وقد كشفت التحقيقات عن شبكة معقدة تضم دبلوماسيين إيطاليين وأفراد أمن مصريين. وعلى الرغم من إنكار رؤوف للتهم، وإصراره على أن علاقته بالقنصل الإيطالي كانت صداقة شخصية، إلا أن المحكمة أدانته في 2020م بالسجن ثلاثين عامًا، خُففت لاحقًا إلى سبع، ثم إلى خمس سنوات في 2024م، قبل أن يُفرج عن أمواله المجمدة في يونيو من العام نفسه. الحادثة عكست عمق تغلغل تجارة الآثار في شبكات النفوذ الرسمية.
هل من مسائلة عن ملفات ‘الآثار الخاصة’:
إن قصتي مريت ورؤوف بطرس غالي، رغم اختلاف تفاصيلهما، تؤكدان أن تجارة الآثار لم تكن حكرًا على لصوص المقابر أو المهربين العاديين، بل امتدت لتشمل نخبة سياسية وثقافية كانت تحظى بالحصانة والنفوذ. وبينما تتساقط القطع الأثرية في مزادات العالم واحدة تلو الأخرى، يظل السؤال مطروحًا: هل نملك الشجاعة لفتح ملفات ‘الآثار الخاصة’ ومساءلة من امتلكها أو فرّط فيها؟ أم سنواصل الاكتفاء بالحسرة على ما خرج، دون محاولة استعادته أو مساءلة المتورطين؟ فالمعركة من أجل استرداد الآثار لا تتعلق بالماضي فقط، بل بمستقبل وكرامة وطن بأكمله.





