كتب/ د.قاسم زكي
عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
في قلب حي الزمالك الراقي، حيث تلتقي البنايات الأوروبية بالقصور الشرقية، نشأت إحدى العائلات المصرية الأرستقراطية التي جمعت بين الواجهة الدبلوماسية وتجارة الآثار في الخفاء: عائلة نقولا حسن “Nicola Hassan”. عائلة شامية–مشرقية (ذات أصول يونانية/سورية) استقرت في القاهرة منذ أواخر القرن التاسع عشر. ورغم أن الاسم لا يحظى بشهرة واسعة لدى عامة الناس، إلا أن المؤرخين والباحثين في ملف تهريب الآثار يعرفون جيدًا دور هذه العائلة في تسريب قطع آثرية نادرة إلى أوروبا وأمريكا خلال النصف الأول من القرن العشرين. كانت تلك الحقبة تشهد نشاطًا مكثفًا في سوق الآثار،
حيث كانت القاهرة مركزًا لتجارة التحف والكنوز الفرعونية، يقصده الدبلوماسيون والضباط الأجانب وجامعو التحف من أوروبا. وفي ظل ضعف القوانين، وغياب الرقابة المنظمة، تحولت بعض العائلات من مجرد ملاك كبار أو مثقفين إلى وسطاء وتجار آثار، مستخدمين نفوذهم الاجتماعي والسياسي كغطاء لهذه الأنشطة.
حقائب دبلوماسية وتهريب الآثار
تعود شهرة العائلة إلى الجد الأكبر، نقولا حسن، الذي شغل منصبًا دبلوماسيًا رمزيًا في السفارة الإيطالية بالقاهرة في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو المنصب الذي استُخدم – بحسب مصادر أرشيفية – كغطاء لحماية تحركاته التجارية، وخصوصًا في مجال الآثار. ووفق وثائق محفوظة في دار المحفوظات الإيطالية، فقد كانت دبلوماسيته الغامضة تسمح له بإدخال وإخراج طرود دون تفتيش، وهي الثغرة التي استفاد منها لسنوات. وتشير شهادات بعض كبار العاملين السابقين في الجمارك المصرية إلى أن بعض الطرود التي كانت تخرج من فيلا العائلة في الزمالك، كانت تحمل طابعًا دبلوماسيًا يمنع فتحها أو تفتيشها. وقد استمر هذا الوضع لسنوات دون مساءلة،
مما يعكس كيف كانت الامتيازات الدبلوماسية تُستخدم كوسيلة لتفادي القانون. كما اشير إلى أن بعض مزادات باريس ولندن في أوائل القرن العشرين تضمنت قطعًا قُيِّدت بأسماء تجار مصريين/شوام بينهم “Nicola Hassan”.
قامت العائلة بشراء قطع آثرية من مصادر محلية غير موثقة، أغلبها من صعيد مصر والفيوم، ومن ثم كانت تُنقل إلى فيلا مملوكة للأسرة في شارع أبو الفدا، حيث يتم فحصها وتغليفها، تمهيدًا لتسفيرها عبر شحنات تجارية تتبع السفارة أو تُسجل كمقتنيات شخصية لا تخضع للجمارك. وقد تم رصد اسم العائلة لاحقًا في مزادات كريستيز وسوثبيز، ضمن مقتنيات خاصة بيعت في السبعينيات والثمانينيات على أنها تعود لـ’دبلوماسي مصري سابق’. ومن أبرز القطع التي بيعت باسم ‘دبلوماسي مصري مجهول’ تمثال صغير للإلهة باستت مصنوع من البرونز، وتميمة نادرة من الذهب الخالص تعود لعصر أمنحتب الثاني، بيعت في مزاد بلندن عام 1982م. وكلها تعود لأصول مجهولة، لكنها تحمل إشارات إلى القاهرة كمصدر أولي لها.

أجيال ورى أجيال
وكان من اللافت أن أبناء العائلة حافظوا على النمط نفسه، حيث اتجه بعضهم للعمل في مكاتب التمثيل الثقافي الأوروبي بالقاهرة، ما أتاح لهم الاستمرار في التواصل مع تجار أجانب ومندوبي متاحف دولية، في وقت كانت الرقابة المصرية ما تزال غير قادرة على التحكم الكامل في حركة المقتنيات الأثرية داخل البلاد. كما أن بعض الأحفاد تخرجوا من جامعات أجنبية مرموقة وعادوا إلى مصر بوظائف ثقافية مرموقة مكنتهم من متابعة ما بدأه الأجداد. هذا الامتداد العائلي أضفى على النشاط التجاري نوعًا من الاستمرارية والاستقرار، وساعد على إخفائه تحت غطاء من الاحترام الأكاديمي والعلاقات الرفيعة.
تهريبات برغم آنف القانون
ورغم صدور قانون حماية الآثار عام 1983م، فإن عدداً من العائلات، بينها نقولا حسن، كانت قد كوّنت ‘أرشيفًا خاصًا’ من القطع، يحتفظ به في أقبية آمنة أو يُنقل إلى خارج البلاد قبل تطبيق القانون. وتشير تقارير إعلامية إلى أن بعض أفراد العائلة انتقلوا للإقامة في سويسرا وفرنسا منذ التسعينيات، وهناك أسسوا ما يُعرف اليوم بـ’مجموعات نقولا الفنية’، التي تتضمن قطعًا فرعونية نادرة، بعضها لا يُعرف مصدره على وجه الدقة. ويُعتقد أن بعض القطع سُجلت بأسماء أجنبية لأصدقاء العائلة المقيمين في الخارج لتفادي المطالبات الرسمية. وهو ما يؤكد أن عملية التهريب لم تكن عشوائية، بل نُفذت بخطة محكمة تسبق تطبيق قانون 1983، وتستفيد من ضعف التنسيق بين الأجهزة المختلفة.
تسريب الذاكرة الوطنية خارج الحدود
وقد آثار عرض إحدى هذه القطع، وهي تميمة ذهبية نادرة من عصر الأسرة الثامنة عشرة، في مزاد بجنيف عام 2017م، ضجة واسعة في الوسط الأثري المصري، خاصة بعد أن أكد خبير آثار سويسري أنها خرجت من مصر في منتصف القرن العشرين، وهي فترة كانت فيها عائلة نقولا في ذروة نشاطها. لم تُفتح أي تحقيقات رسمية حتى اليوم بشأن هذه العائلة، وربما لأن الاسم لم يرتبط بفضائح مباشرة مثل غيرهم، أو لأن نشاطهم جرى بهدوء شديد. لكن ما تم الكشف عنه عبر المزادات والسجلات الدولية، يشير إلى دور مؤثر لعائلة مصرية جديدة في تسريب الذاكرة الوطنية خارج الحدود، تمامًا كما فعلت عائلات أخرى سبقتها في هذه السلسلة.
توثيق التاريخ الداخلي
وإذا كانت مصر قد بدأت الآن فقط في محاولة استعادة آثارها من الخارج، فإن الخطوة الحقيقية تبدأ بتوثيق التاريخ الداخلي لهذه العائلات، والتعامل مع الإرث الأثري كملف سيادي، وليس مجرد سلعة خضعت للبيع والشراء تحت مسمى ‘المجموعات الخاصة’. إن دراسة تاريخ هذه العائلات لا يعني التشهير بها، بل يشكل خطوة ضرورية لفهم آليات تسريب التراث واستعادة السيطرة على ما تبقى. فكل قطعة آثرية خرجت دون إذن رسمي تمثل خسارة مزدوجة: فقدان جزء من الهوية الوطنية، وإهدار فرصة علمية لفهم الماضي. وإذا لم تُفتح هذه الملفات الآن، فستُطوى في صمت، وتُدفن الحقيقة كما دُفنت الآثار.
وربما يكون الملف الأخطر الذي لم يُفتح بعد، هو ملف المقابر الخاصة التي امتلكتها هذه العائلات، والتي تُرجح بعض الدراسات أنها قد تكون مدخلًا آخر لفهم حجم المقتنيات التي لم تُكتشف بعد، أو التي لا تزال مدفونة بطرق مقصودة. فمتى نبدأ الحفر في ذاكرة هؤلاء؟ ومتى ننتصر للتراث على حساب المجاملة والمصالح القديمة؟ يمكنكم متابعة المزيد عبر موقع الدليل نيوز.




