بقلم/ د. إبراهيم درويش
في زحام الحياة، وتحت وطأة المسؤوليات، قد يغفل الإنسان عن أعظم نعمةٍ أنعم الله بها عليه بعد نعمة الإيمان… نعمة الأم. تلك الكلمة الصغيرة في حروفها، العظيمة في معناها، التي تختصر في طياتها معاني الرحمة، والتضحية، والعطاء الذي لا ينضب. ومع حلول يوم الأم، لا يكون الاحتفاء مجرد كلمات عابرة أو هدايا مؤقتة، بل هو وقفة صادقة مع النفس لمراجعة علاقتنا بأمهاتنا، واستحضار مكانتهن في ميزان الدين والدنيا.
إن الحديث عن الأم ليس حديثًا عن شخصٍ عادي، بل هو حديث عن مدرسة متكاملة، وعن قلبٍ ينبض بالحب دون انتظار مقابل، وعن روحٍ تفني نفسها في سبيل أبنائها، حتى قالوا: “الأم هي الحياة، ومن فقدها فقد طعم الحياة”.
الأم في ميزان القرآن الكريم
حين نتأمل كتاب الله عز وجل، نجد أن بر الوالدين جاء مقرونًا بتوحيد الله، وكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يرسخ في وجدان الإنسان أن حق الوالدين – وعلى رأسهما الأم – عظيمٌ لا يقل في أهميته عن أعظم الحقوق.
قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23].
ثم يخص الأم بمزيد من العناية، فيقول سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: 15].. ويقول أيضًا: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ [لقمان: 14].
إنها ليست مجرد كلمات، بل تصوير إلهي دقيق لمعاناة الأم، من حملٍ ثقيل، وآلامٍ مضاعفة، وسهرٍ متواصل، وتعبٍ لا ينتهي. ومع ذلك، لا تنتظر الأم جزاءً ولا شكورًا، بل يكفيها أن ترى أبناءها بخير.
الأم في السنة النبوية… مقام لا يُضاهى
جاءت السنة النبوية لتؤكد هذا المعنى العظيم، بل لتضع الأم في مكانة لا ينافسها فيها أحد.
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: “يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟” قال: “أمك”. قال: ثم من؟….. قال: “أمك”. قال: ثم من؟…. قال: “أبوك”.
ثلاث مرات تتقدم الأم على الأب، لا انتقاصًا من قدر الأب، ولكن اعترافًا بعظيم ما تبذله الأم من تضحيات.
وفي حديث آخر، يختصر النبي ﷺ مكانة الأم في عبارة تهز القلوب: “الجنة تحت أقدام الأمهات”. أي تكريمٍ أعظم من هذا؟! وأي مكانةٍ أرفع من أن تكون طريقك إلى الجنة يبدأ من رضا أمك؟
لماذا الأم تحديدًا؟
قد يتساءل البعض: لماذا كل هذا التركيز على الأم؟.. والإجابة تكمن في طبيعة العطاء. الأب قد يعطي من وقته أو ماله، لكن الأم تعطي من جسدها وروحها… تحملُك تسعة أشهر، تعاني خلالها ما تعاني، ثم تضعك بين الحياة والموت، ثم تبدأ رحلة جديدة من السهر والتربية والرعاية. الأم لا تنام لتنام أنت، تتعب لتستريح أنت، تحزن لتفرح أنت. وحين تكبر، تظل تراها كما أنت: طفلها الصغير، حتى وإن بلغت من العمر عتيًا.
مواقف تهز الوجدان
موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه: جاء رجلٌ يحمل أمه على ظهره ويطوف بها حول الكعبة، ثم قال: “يا أمير المؤمنين، هل أديت حقها؟”. فقال عمر: “لا، ولا بزفرةٍ واحدةٍ من زفرات الولادة!”. أي أن كل ما قدمه لا يساوي لحظة ألمٍ واحدةٍ تحملتها أمه.
موقف مؤثر في البر: رُوي أن أحد الصالحين كان لا يأكل مع أمه، فسُئل عن ذلك، فقال: “أخاف أن تمتد يدي إلى لقمة سبقت إليها عينها فأكون قد عققتها!”. أي هذا الأدب؟! وأي هذا البر؟!
قصة واقعية تتكرر..
كم من أمٍ سَهِرت الليالي لتعليم ابنها، ثم كبر هذا الابن، وانشغل بحياته، وأهملها، حتى أصبحت تنتظر مكالمة لا تأتي، أو زيارة لا تحدث. وهنا تكمن المأساة… ليس في الفقر، ولا في المرض، بل في نسيان الأم.
بر الأم… ليس كلمات بل أفعال
بر الأم لا يكون فقط بقول: “أحبك يا أمي”، بل هو سلوك يومي، يظهر في:
- الطاعة في غير معصية: فالطاعة من أعظم صور البر، ما لم تكن في معصية لله.
- الكلمة الطيبة: قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾، حتى أقل كلمة تضجر ممنوعة، فكيف بما هو أكبر؟
- خفض الجناح: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ تواضع، لين، رحمة… هذه هي لغة التعامل.
- الدعاء لها: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
- خدمتها: لا تنتظر أن تطلب… بادر أنت.
- إدخال السرور عليها: بإبتسامة، كلمة، هدية بسيطة… كلها عند الله عظيمة.
عقوق الأم… جريمة لا تُغتفر بسهولة
إذا كان البر طريقًا إلى الجنة، فإن العقوق طريق إلى النار. قال النبي ﷺ: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟” قالوا: بلى يا رسول الله. قال: “الإشراك بالله، وعقوق الوالدين”. وفي هذا الحديث وضع العقوق بجانب الشرك… دلالة على خطورته. والعقوق ليس فقط الضرب أو الإهانة، بل قد يكون في: تجاهلها، رفع الصوت عليها، إهمالها، تقديم الزوجة أو الأصدقاء عليها، وعدم السؤال عنها.
يوم الأم… فرصة للمراجعة
يوم الأم ليس مجرد مناسبة للاحتفال، بل هو فرصة لمراجعة النفس.. وفرصة للاعتذار إن أخطأنا.. وفرصة لتعويض ما فات.. وفرصة لإعادة الدفء إلى العلاقة. فكم من أمٍ لا تريد هدية… بل تريد فقط اهتمامًا! كم من أمٍ لا تطلب مالًا… بل تريد كلمة حانية!
ماذا بعد رحيل الأم؟
هنا تختبر القلوب حقيقة البر… قال النبي ﷺ: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث…” ومنها: “ولد صالح يدعو له”. ومن بر الأم بعد موتها: الدعاء لها، والصدقة عنها، وصلة أرحامها، والوفاء بصديقاتها، وتنفيذ وصاياها. فالأم لا تنتهي بموتها… بل يبقى أثرها ما بقيت الحياة.
رسالة إلى كل ابن وابنة
قبل أن تبحث عن هدية ليوم الأم… اسأل نفسك: هل أرضيت أمك؟ هل جبرتها حين انكسرت؟ هل استمعت لها حين احتاجت؟ هل قبلت يدها وقلبها؟ لا تؤجل البر… فالعمر لا ينتظر.
ختامًا: حيث تبدأ الجنة
في عالمٍ يزداد قسوةً يومًا بعد يوم، تبقى الأم هي الحضن الدافئ، والملاذ الآمن، والنور الذي لا ينطفئ. هي التي إن ضحكت، أضاءت حياتك، وإن حزنت، أظلمت الدنيا في عينيك. فإن كانت أمك على قيد الحياة… فتمسك بها جيدًا، وإن كانت قد رحلت… فلا تنسها من دعائك. تذكر دائمًا: أن الجنة التي تبحث عنها في السماء… قد جعل الله مفتاحها بين يدي أمك. فاختر طريقك… إما برٌ يقودك إلى الجنة، أو عقوقٌ يبعدك عنها.
لمزيد من النصوص الدينية عن بر الوالدين، يمكن الرجوع إلى موقع الإسلام ويب. كما يمكن الاطلاع على مقالات عن أهمية الأمومة عبر موقع المعارف.




