ثقافة وفن

الشباب الفاني: تأملات حول العمر ومضي الزمن

كتب/ زياد تامر

“وإزاي أقول لك كنا زمان والماضي كان في الغيب بكرة
وإللي إحنا فيه دلوقتي كمان هيفوت علينا ولا ندرى”
أحمد رامي

الشباب الفاني

كلما صادفتُ أحدًا يماثلني عمرًا وتعارفنا، أجدني أسأله عن جامعته ومجال دراسته، أو إذا كان قد تخرج وبدأ مسيرته العملية. وربما أود لو أسأله إذا كان خاطبًا أو إذا كانت مخطوبة، ولكني أجد ذلك أمرًا بعيدًا لأوضاعنا الاقتصادية الراهنة وغلاء الذهب، ناهيك عن الروابط العاطفية الواهية التي تربط بين المرتبطين من جيلي والجيل الذي يليه.

أجدني هنا في موقف مرعب، ووضع غريب لي قد يصل بي إلى رعب وجودي عابر أحيانًا. كيف جرت الأعوام بهذه السرعة؟ كيف بتّ أسأل الشباب عن وظيفتهم ودراستهم بدلًا من أن أسألهم عن مدرستهم، وعن الجامعة التي يرغبون في الالتحاق بها، وأحلام دراستهم؟!

الأحلام والخطط للمستقبل الذي يبدو بعيدًا، الأوهام التي نستلذ الغرق فيها، قصص الحب والصداقة التي نتخيل كيف ستكون. والخيال يجمح بنا كيف سنحقق كل ذلك حينما نغدو كبارًا. كيف مرّ كل ذلك؟ مثل هذه الأمور لا يقف أمامها الشباب، ولا نملك وقتًا للتفكير فيها في عصر السرعة والتريند. ولكني أقف عندها لسبب واحد، هو أني في دهاليز أعماقي، مازلت طفلًا في السادسة عشرة من عمري!

تلك السن التي توقفت فيها حياتي فجأة، كأنما غرقت في غيبوبة بينما العالم يسير وأعوامي تمضي. السن التي مازلت أفكر بطريقتها، وأشعر من خلال عواطفها، وأحب الحياة وأخافها من خلال مخاوفها. ولكن هناك فارق بسيط هو نمط تفكيري الذي تأثر من عمري الحالي.

صعب أن تحيا بعمرين، ومستحيل أن تجمع بينهما. وإلا وصمك الناس بمراهقة متأخرة. تجد نفسك مجبرًا بحكم الزمن أن تتحمل مسؤوليتك كرجل بالغ عليه العمل وإنشاء أسرة في ظل عالم لا يرحم.

منذ كنت صغيرًا وأنا أدرك جيدًا أن اللحظة لن تدوم، وأني سأكبر أيًا كان هاجسي واستماتتي لتخليد الحاضر. الحاضر سيصير ماضيًا، والمستقبل سيصبح حاضرًا. كل لحظة هي الماضي والحاضر والمستقبل.

كانت هناك أيام لم نسمع فيها للذكاء الاصطناعي صدى، وكان الدولار لا يتعدى العشرين جنيهًا. أغلى كتاب ابتعتُه كان لم يتعد مائتي جنيه. التريند لم يكن بهذا الجنون، والناس لم تكن بعد محمّلة بالكره والحقد الذين يظهران جليًا في التعليقات والأحكام على هذا المنشور أو ذاك التريند أو هذا الشخص الذي يحاول أن ينجح. لم يكن الناس بعد كلهم نقادًا اجتماعيين وقضاة.

أجدني فجأة دمية في يد مسؤول قرر تغيير نظام التعليم (التابلت). دخلت الثانوية العامة وأنهيتها بمجموع لم يرضني. ألتحق بالجامعة، أنهي الجامعة. يومئ لي شخص حبيب، أختبر معاني الفقد، ثم أواجه المرضى في زي الأصدقاء. غلاء الأسعار، صعوبة العيش والنجاح دون المال.

أحداث تلاحقت، وما زلت المراهق الذي أجرم يومًا لأنه حلم بحياة سعيدة. أدركت الآن أنه كلما مضى العمر، تضاءلت إمكانية الحلم والأمل. حينما كنت مراهقًا، كانت أمامي حياة بأكملها بإحتمالاتها كي أتوغل فيها وأجد السبل لتحقيقها. أجدني الآن توغلت فيها وأمامي مزيد من التوغل وانعدمت السبل. الآن أنا شاب أبحث عن العمل في ساحة البقاء للأقوى ولصاحب الواسطة التي تسمى بساحة العمل للخريجين.

قد ينعتني أحد ما ويقول أني شاب درامي (Drama Queen)، فما زلت في بداية الشباب وأمامي الحياة بأكملها، وأني أدعي العمق والبلاغة. ولكني بالفعل خائف من الزمن ومن تداعي الأيام والأحوال. أرفع أحيانًا يداي أتأملهما وأجدها متفجرة الصحة. غدًا ستصيران نافرة العروق والتجاعيد. اليوم أستطيع الذهاب والمجيء وحمل الأثقال، إلخ. غدًا سيأتي يوم أجد أبسط البديهيات والأعمال التي أقوم بها دون سابق جهد، تأخذ مني مشقة لفعلها. غدًا سأكون حبيس الفراش لأني لا أتمكن من استعمال ساقي حين أبلغ من العمر أرذله.

ماذا سيحدث غدًا؟ كيف سيؤول الحال؟ سيأتي الموت لا محالة. فأنا مسافر على درب الحياة، سأقابل وسأواجه، وسأبلغ أفق الموت والأجل لا محالة.

ولست وحدي من يفكر بهذا الموضوع، فغيري من الشباب يدركه أكثر مما أدركه. ولكن على حد ظني، يبدو أنهم نبذوا هذا العمق من التفكير إلى أعماق لا وعيهم. ربما يفسر ذلك غرق الشباب في شبابهم ونهلهم من نبعة لحد الثمالة، لأنهم يدركون أن هذا الشباب والعنفوان الحار مصيره الزوال عاجلًا لا آجلًا. ذلك النوع من الشباب الحار الذين حين تراهم، يتفجر بداخلك نوع من الحقد والغيرة والسخط. برأيي، هم أبأس أنواع الشباب، لأنهم يحيون ما سيكفون رغمًا عنهم عن الاستمرار فيه. هذا بجانب البيئة والصورة التي يحاولون إظهارها دون باقي الصور، وتأثير المحيط من المعارف والصحبة.

مثل هذا الاندفاع إلى اللهو والعبث مصدره هذا القلق من فنائه، والوضع الاقتصادي الراهن الذي لا ينبئ بمستقبل رغد، والأعباء التي ستلقى على عاتقهم ولا مفر من حملها، والصحة والشباب اللذان يتسربان كل لحظة من رصيد حياتنا. الشباب الذين يعيشون كأنهم خالدون في الفتوة والحياة، ثق أنهم أكثر الناس الذين يحسبون للعمر ألف حساب.

مثل هذا القلق قد يدفع بعض من تخطوا مرحلة الشباب إلى ما يحكم عليه الناس بالتصابي. إذا رأيت من يحيا كأنه ما زال صبيًا، تقع الفتيات في عشقه، أو رأيت سيدة على وجهها الصاخب من مستحضرات التجميل وعمليات النفخ والتجميل، لا تحكم عليهم، بل ارفق به وبالرعب الكامن في نفسه. أنت اليوم ما زلت شابًا أو لم تدخل مرحلة الكهولة ومازلت بمنأى عن التجاعيد والعجز. هل ستظل على حكمك إذا وجدت نفسك كهلًا وترى أن الشباب ما زال موجودًا في العالم لم ينقرض بكهولتك!

في عهد السرعة والصورة السعيدة التي يظهرها السعداء من الناس مع إخفاء التعيس من حياتهم، تجد نفسك أمام طريقين: إما أن تغرق أنت الآخر وتنهل مثلما ينهل الآخرون، وإما أن تستثمر الباقي من أحلامك وبعض المواهب أو القليل من الفرص، كي تترك أثرًا ولا تتعرض أنت الآخر لأحكام القضاء من السوشيال ميديا أو لا تصبح تريند سلبي.

لمزيد من التأملات حول العمر والزمن، يمكن قراءة مقالات حول فلسفة الحياة على Verywell Mind. كما يمكن الاطلاع على آراء حول إدارة الوقت والحياة على Psychology Today.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights