حضارة وتاريخ

من الحفر إلى المزاد: رحلة القطعة المهربة في سبع محطات

(أشهر لصوص الآثار المصرية٣٥)

كتب/ دكتور قاسم ذكى

عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

كيف تتحوّل شظية من تراب المقبرة إلى “قطعة موثّقة” تُباع تحت أضواء الصالات؟

ليس تهريب الآثار جريمة “لحظة واحدة” تُرتكب ثم تنتهي، بل هو سلسلة طويلة من الأفعال يتقاسمها كثيرون: من يحفر، ومن يشتري، ومن يُخفي، ومن يُرمّم، ومن يكتب ورقة “تبرير”، ومن يشحن، ومن يعرض، ثم من يقتني. ولذلك فإن مواجهة الجريمة لا تكون فقط بإمساك حفّارٍ في أطراف موقع، بل بفهم المسار الكامل الذي تسلكه القطعة المهربة حتى تصبح “سلعة” في سوق عالمي يتزيّن بألف قناع: خبراء، وشهادات، وواجهات، وفواتير، وأوصاف مطاطة من نوع “من مجموعة خاصة”.

هذه الحلقة تحاول—بلغة مبسطة—رسم خريطة رحلة القطعة المهربة في سبع محطات نموذجية. ليست وصفة للتهريب (حاشا)، بل تشريحٌ لفهم أين تقع “نقاط الضعف” التي يجب أن نغلقها، وأين تُصنع الأكاذيب الصغيرة التي تتحول لاحقًا إلى “قصة أصل” كاملة.

د. قاسم ذكى يكشف حيل المهربين في تبييض تاريخ القطع الأثرية المنهوبة
د. قاسم ذكى يكشف حيل المهربين في تبييض تاريخ القطع الأثرية المنهوبة

المحطة الأولى: الحفر… حين يبدأ التاريخ بالنزف

تبدأ القصة غالبًا من مكانين:

  • تنقيب غير شرعي في أطراف مواقع أثرية أو في مناطق سكنية قديمة.
  • اختلاس تدريجي من مخازن أو بعثات أو مناطق حفائر عبر ثغرات بشرية وإدارية.

وفي كلتا الحالتين، لا يخرج من الأرض “كنز” فقط؛ يخرج معه السياق العلمي الذي يعطي القطعة قيمتها الحقيقية: طبقتها، وموقعها، وعلاقتها بما حولها، وتسلسلها الزمني الدقيق. القطعة قد تُباع لاحقًا بمبلغ كبير، لكن مصر تخسر أكثر: تخسر جزءًا من رواية المكان، من “لغة” التاريخ التي لا تُستعاد إذا انقطعت.

درس المحطة الأولى: أخطر ما في النهب ليس فقدان المادة وحدها، بل فقدان “المعلومة”.

المحطة الثانية: الوسيط المحلي… تاجر الظل الأول

بعد الحفر، نادرًا ما يتعامل الحفّار مباشرة مع سوق كبير. هنا يظهر الوسيط: شخص يمتلك شبكة علاقات، وسيولة نقدية، وقدرة على التخزين والنقل، والأهم: قدرة على “تبريد” القطعة—أي إخفائها فترة حتى تهدأ العيون.

هذا الوسيط قد لا يحمل لقب “تاجر آثار” رسميًا، لكنه في الحقيقة مدير مرحلة ما قبل السوق. يشتري بثمن بخس لأن البائع خائف، ويبيع بثمن أعلى لأنه يمتلك “حيلة الوقت” وحيلة العلاقات.

درس المحطة الثانية: الفارق بين قيمة القطعة عند خروجها من الأرض وقيمتها عند الخروج من البلد هو “ربح الشبكة”.

المحطة الثالثة: التبريد والتخزين… حين تختبئ القطعة لتولد من جديد

تدخل القطعة في هذه المرحلة ما يشبه “غرفة انتظار” قد تطول شهورًا أو سنوات. الهدف هنا مزدوج:

  1. تغيير آثار الجريمة: تنظيف، إزالة تراب بعينه، طمس علامات كسر، أحيانًا إخفاء أرقام أو لصاقات.
  2. تحضير سردية: من أين جاءت؟ ومن كان يملكها؟ وكيف ظهرت الآن؟

كلما طال زمن التخزين، صار من السهل قول الجملة السحرية: “كانت ضمن مجموعة قديمة”. الزمن هنا ليس مجرد انتظار؛ إنه مادة لصناعة الكذب.

درس المحطة الثالثة: الزمن في سوق الآثار غير الشرعي “أداة تبييض”.

المحطة الرابعة: الترميم… حين يصبح الإصلاح قناعًا

هنا تأتي مرحلة حساسة: الترميم قد يكون علمًا شريفًا حين يُمارس في مؤسسات مسؤولة، لكنه قد يُستخدم أيضًا كوسيلة لطمس الأدلة. فبعض القطع تُرمّم لتبدو “مستقرة” وجاهزة للعرض، وتُعالج كسورها كي لا توحي بأنها خرجت للتو من حفرة. وقد تُضاف لها أجزاء—أو تُنزع منها أجزاء—لتناسب ذائقة السوق: قطعة “أكمل” تساوي أكثر.

الترميم غير المنضبط لا يجمّل فقط؛ بل يغيّر، وأحيانًا يختلق. ومع كل طبقة لاصقة أو صبغة، قد تختفي إشارات مهمة تربط القطعة بمكانها الحقيقي، وهو ما تحذر منه منظمة اليونسكو في بروتوكولات حماية التراث العالمي.

درس المحطة الرابعة: ليس كل ترميم إنقاذًا… بعضه محوٌ للذاكرة.

المحطة الخامسة: شهادة الميلاد… عندما يكتب الخبير “النَّسب”

هنا نصل إلى قلب اللعبة: التوصيف. السوق لا يبيع حجرًا؛ يبيع “قصة”. القطعة تحتاج ورقة أو تقريرًا أو حتى وصفًا في كتالوج يحمل عبارات محسوبة:

“منسوبة إلى…”

“على الأرجح من…”

“تُقارن بأمثلة من…”

“من مجموعة خاصة أوروبية…”

هذه اللغة تبدو علمية، لكنها قد تُستخدم كمنطقة رمادية: لا تؤكد ولا تنفي، لكنها تمنح “هيبة” كافية لإقناع مشتري يريد الاطمئنان لا الحقيقة. وفي هذه المحطة قد يظهر دور الخبير المتساهل أو “الوسيط الثقافي” الذي يمنح الورقة وزنًا أكبر من وزنها.

درس المحطة الخامسة: أخطر وثيقة ليست المزورة الصريحة فقط، بل الوثيقة “الرمادية” التي تُلمّع الشك.

المحطة السادسة: الشحن والتخليص… العبور بلغة “الديكور”

التهريب الحديث لا يعتمد دائمًا على المغامرة. قد يمر عبر مستندات تُفرغ الحقيقة من معناها: القطعة تصبح “تحفة ديكور” أو “أحجار للعرض” أو “هدايا” أو “مقتنيات شخصية”. وتُغلّف جيدًا، وتُرسل على دفعات، أو تُدمج في شحنات أوسع. وأحيانًا تُستخدم واجهات شركات: معرض فنون، متجر أنتيكات، شركة تصدير، أو حتى أسماء أفراد. في هذه المرحلة، ورقة واحدة في الجمارك قد تغيّر مصير قطعة كاملة.

درس المحطة السادسة: أخطر ما في التهريب أنه قد يمر “هادئًا” كأي طرد عادي.

المحطة السابعة: العرض… المزاد أو المعرض حيث تتزين السرقة

تصل القطعة أخيرًا إلى صالة عرض أو منصة بيع. هنا تتبدل اللغة تمامًا: لا أحد يقول “مهربة”. الجميع يقول: “قطعة نادرة… تاريخ… فن… حضارة…”. ويصير السؤال الحقيقي: هل يجرؤ أحد على طلب الوثائق كاملة؟ في كثير من الحالات، لا تُعرض أوراق المصدر بالتفصيل. يكفي سطر واحد: “من مجموعة خاصة”. ويكفي تصوير جذاب وإضاءة احترافية لتتحول القطعة إلى “نجمة” على منصة.

ثم يأتي المقتني: جامع تحف، أو مؤسسة، أو وسيط جديد. وبمجرد أن تُباع القطعة، يصبح استردادها أصعب: لأن السوق يخلق لها حياة قانونية مزعومة—ولو ناقصة—يصعب تفكيكها لاحقًا، ولذلك تتابع وزارة السياحة والآثار المصرية بالتعاون مع وزارة الخارجية تلك المزادات لاستعادة حق مصر التاريخي، وهو ما نرصده دائماً عبر الدليل نيوز.

درس المحطة السابعة: السوق لا يبيع القطعة فقط… يبيع لها “حصانة اجتماعية”.

أسئلة يجب أن تُقال بصوت عالٍ

  • أين وثيقة الخروج؟
  • ما سلسلة الملكية كاملة بالسنوات والأسماء؟
  • لماذا لا تُعرض الأوراق الأصلية بدل العبارات العامة؟
  • هل وُجدت صور قديمة للقطعة قبل ظهورها في السوق؟
  • من هو الخبير؟ وهل تقريره يثبت أم يوحي؟

خاتمة: أين نكسب المعركة؟

معركة حماية آثار مصر لا تُكسب بالانفعال وحده، بل ببناء منظومة تقطع الطريق بين المحطات السبع:

  1. سد ثغرات المواقع والتخزين.
  2. تجفيف دور الوسطاء المحليين عبر رقابة فعّالة وحلول اقتصادية للمناطق المحيطة بالمواقع.
  3. توثيق صارم، وتوعية مجتمعية، ومحاسبة حقيقية.

والأهم: أن نتعلم لغة السوق حتى نفضح أقنعته.

حين نفهم “رحلة القطعة”، ندرك أن اللص ليس فردًا فقط، بل سلسلة. وكسر حلقة واحدة لا يكفي؛ المطلوب هو كسر المنظومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights