دنيا ودين

وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ… الذاكرة الإيمانية وبناء الوعي الديني والوطني

بقلم: أ.د/ إبراهيم حسيني درويش

قال الله تعالى:{وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}(سورة إبراهيم: 5)هذه الآية تشير إلى ان الذاكرة ليست ترفًا… بل عبادة..لم يكن الأمر الإلهي بـ«التذكير» في هذه الآية توجيهًا عابرًا أو خطابًا وجدانيًا محدود الأثر، بل كان تأسيسًا لما يمكن تسميته الذاكرة الإيمانية للأمة؛ ذاكرةٌ تُعيد وصل الحاضر بالماضي، وتستخرج من الأحداث العِبر، وتغرس في النفوس معاني الصبر والشكر، وهما عمادا الإيمان وبوصلة السلوك الفردي والجماعي.

فـ«أيام الله» ليست أيامًا عادية في التقويم، وإنما محطات فاصلة تجلّت فيها قدرة الله، ونصره، ورحمته، أو ابتلاؤه وتمحيصه لعباده، ليبقى أثرها حيًا في القلوب والعقول.

أولًا: معنى «أيام الله» في القرآن والسنة

اختلف المفسرون في تحديد المقصود بـ«أيام الله»، غير أن خلاصة أقوالهم – كما عند ابن عباس ومجاهد والطبري – تدور حول:

١-نِعَم الله الظاهرة التي أنعم بها على عباده.

٢-وقائع النصر والتمكين.

٣-أيام الابتلاء والامتحان التي أعقبها الفرج.

وهذا الفهم الشامل يجعل الآية أصلًا قرآنيًا معتبرًا في إحياء الذكرى، واستحضار الحدث، والتذكير بالعبرة، لا لمجرد الحكاية، بل لبناء الوعي والإيمان.

ثانيًا: التذكير منهج نبوي أصيل

لم يكن التذكير بالأحداث العظيمة غريبًا عن المنهج النبوي، بل كان سلوكًا دائمًا في دعوة النبي ﷺ، فقد كان يُذكّر أصحابه بنعم الله، وبأيام الشدة، وبسنن النصر والهزيمة، ويعيد قراءة الأحداث ليصنع منها إنسانًا واعيًا.

وقد قال ﷺ:«لا تُؤمِنوا حتى تحابّوا»..وفي رواية أخرى:

«ذكِّروا الناس بأيام الله» (بالمعنى، كما ورد في آثار السلف).

فالتذكير ليس بدعة في ذاته، وإنما البدعة في الكيف والمنهج إن خالفت الشرع، أما أصل الاحتفاء والتذكير فهو داخل في عموم النصوص.

ثالثًا: المناسبات الدينية… ذاكرة الإيمان الحي

مثل ١- المولد النبوي الشريف: الاحتفاء بذكرى مولد النبي ﷺ ليس عبادة مستقلة، بل هو وسيلة تربوية للتعريف بسيرته، وأخلاقه، ورسالته. وقد سُئل ﷺ عن صيام يوم الاثنين فقال:«ذلك يوم وُلدتُ فيه، ويوم بُعثتُ فيه» (رواه مسلم).

فإذا كان النبي ﷺ قد خصّ يوم مولده بشكر الله والصيام، فإن تذكير الأمة بسيرته وتعاليمه أولى وأحرى، ما دام ذلك في إطارٍ منضبطٍ بالشرع.

٢-الإسراء والمعراج: حادثة الإسراء والمعراج ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي درس عقدي وتشريعي، ففيها فُرضت الصلاة، وفيها تكريم للنبي ﷺ، وتثبيت للمؤمنين. والتذكير بها هو تذكير بمعنى الصلة بالله، وأهمية الصلاة، ومقام اليقين.

رابعًا: المناسبات الاجتماعية… قيم إنسانية بميزان الشرع

لم يفصل الإسلام بين الدين والحياة، بل جعل القيم الاجتماعية امتدادًا للإيمان مثل .يوم الأم: هو تذكير عملي بقول الله تعالى:{وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}وليس عيدًا تعبديًا، وإنما مناسبة اجتماعية تُحيي قيمة البر، وهي قيمة شرعية أصيلة.

وذكرى الميلاد ويوم الزواج: ما دامت في إطار الشكر لله، وتوثيق الروابط الأسرية، فهي من قبيل العادات المباحة التي تُقاس بالمقاصد لا بالأشكال.

خامسًا: الأيام الوطنية والتاريخية… حين يلتقي الإيمان بالوطن

الإسلام لا يُصادر الانتماء للوطن، بل يُقوِّمه ويُرشده. وقد سجل القرآن والسنة وقائع عسكرية وتاريخية لتبقى حاضرة في الوعي مثل . غزوة بدر التى سماها القرآن يوم الفرقان، وقال تعالى:

{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ}

وهي درس دائم في أن النصر من عند الله، لا بكثرة العدد ولا العتاد.

و يوم حنين الذى قال الله تعالى فيه:{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا}

ليظل درس حنين حاضرًا في الوعي: الغرور سبب الهزيمة، والتوكل سبب النجاة.

سادسًا: العاشر من رمضان… يوم تجددت فيه سنن النصر

يكتسب العاشر من رمضان أهمية خاصة في الوجدان المصري والعربي؛ إذ تلاقى فيه الإيمان مع التضحية، والصيام مع الجهاد، والدعاء مع التخطيط.

لم يكن نصر العاشر من رمضان (أكتوبر 1973) حدثًا عسكريًا فحسب، بل كان تجليًا لمعنى «أيام الله»: صبرٌ طويل سبق النصر.

وإعدادٌ وأخذٌ بالأسباب. ويقينٌ بأن النصر من عند الله.

والاحتفاء بهذه الذكرى اليوم خاصة في ظل ما تواجهه الأمة من تحديات هو إحياء لقيم الثقة، والانتماء، والإرادة، لا مجرد استرجاع لحدثٍ مضى.

سابعًا: ضوابط شرعية للاحتفاء والتذكير

حتى يكون التذكير بـ أيام الله مشروعًا ومثمرًا، فلا بد من ضوابط:

ألا يُجعل الاحتفاء عبادة مستقلة. وذلك بأن يخلو من المخالفات الشرعية. وأن يكون وسيلة للتربية وبناء الوعي.وأن يُربط الحدث بالقيم والدروس لا بالمظاهر.

والاهم وقوع بعض المخالافات لا يقتضى منعها ولكن التعريف بالمخالفات وعلاجها ..

الذاكرة الإيمانية: أمة بلا ذاكرة… أمة بلا بوصلة

إن الأمر الإلهي {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} هو دعوة مفتوحة لبناء أمةٍ واعية بتاريخها، معتزة بقيمها، متوازنة بين دينها ووطنها، تدرك أن الذكرى حين تُحسن قراءتها تتحول من مجرد مناسبة إلى طاقة إصلاح وبناء.

وفي زمن تتعرض فيه الذاكرة للتشويه والنسيان، يصبح إحياء «أيام الله» ضرورة تربوية ووطنية، تحفظ الهوية، وتُجدّد الإيمان، وتبني الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights