دنيا ودين

بمناسبة أحد السعف، تعرف على تفاصيل أسبوع الآلام

كتب د. عبد الرحيم ريحان

رصدت دراسة تاريخية للدكتور شكرى يوسف شكرى كيرلس، دكتوراه في الآثار والفنون القبطية بمعهد الدراسات والبحوث القبطية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، الأحداث الرئيسية في أيام أسبوع البصخة أسبوع الآلام. وتنشر حملة الدفاع عن الحضارة برئاسة الدكتور عبد الرحيم ريحان معالم هذه الدراسة.

يوم سبت لعازر

هو اليوم الأخير من صوم الأربعين المقدسة والسابق لأحد الشعانين، وفيه قام السيد المسيح بمعجزة إقامة لعازر من الموت بعد دفنه بأربعة أيام ليثبت لليهود سلطته على الموت وقدرته على إقامة الموتى، ويُذكر الجميع بأنه سوف يموت ويقوم في اليوم الثالث. ومنذ هذا اليوم أخذ اليهود يتشاورون في القبض على السيد المسيح.

أسبوع الآلام، أحد الشعانين، الجمعة العظيمة، عيد القيامة، الفنون القبطية
رسوم تاريخية تصور أحداثًا من حياة السيد المسيح.

أحد الشعانين

يرى الأب أثناسيوس المقارى، صاحب موسوعة “الدرة الطقسية للكنيسة القبطية بين الكنائس الشرقية”، أن أصل مصطلح “شعانين” يعود إلى الكلمة العبرية “هوشع –نا” وهي في الأرامية “هوشعنا” وفي اليونانية “أوصنا”، وكلها مصطلحات تفيد في العربية معاني “أرحمنا” أو “أنقذنا” أو “خلصنا”. ويطلق عليه اللاتين “عيد الأغصان”، وكان المصريون في العصور الوسطى يطلقون عليه “عيد الزيتونة”. ويقام تذكار دخول السيد المسيح لمدينة القدس في احتفال كبير، وكان الناس يهتفون “أوصنا لابن داود، أوصنا في الأعالي”، أي “أنقذنا يا ابن داود” لأنهم اعتقدوا أنه ملك وجاء ليرفع عنهم ظلم الرومان.

ومن عادات الأقباط في هذا العيد تزيين الكنائس بالستائر البيضاء المزخرفة بالصلبان المشغولة يدويًا، كما يستخدمون فروع النخيل في تزيين الكنيسة ويرمز سعف النخيل إلى النصر وهو تشبيه للسيد المسيح بالملك المنتصر. ويصنع الشعب القبطي من سعف النخيل أشكالًا كثيرة من الصلبان والتيجان والضفائر ومجدولة القربانة ويحتفظون بها في البيوت إلى العام التالي على سبيل البركة.

وهناك وصف للاحتفالات التي كانت تجري في هذا اليوم في كتاب المقريزي “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار”، أن الأقباط، وبخاصة أقباط الريف بالوجه البحري والصعيد، كانوا يدخلون الكنيسة باكر يوم الشعانين باحتفالية كبيرة تعبر عن أحداث اليوم وتمثل مشهد دخول المسيح إلى القدس، بأن يستقبلوا أسقف الناحية في أول البلدة وهو راكبًا على دابة ويلتفون حوله مقيمين التراتيل والألحان الكنسية وسط صيحات التهليل. وعند خروجهم من الكنيسة عقب انتهاء الصلوات يطوفون في شوارع القرية للاحتفال.

أسبوع الآلام، أحد الشعانين، الجمعة العظيمة، عيد القيامة، الفنون القبطية
تصوير فني لدخول السيد المسيح إلى القدس يوم أحد الشعانين.

اثنين البصخة

يسمى “اثنين السلطان” إشارة إلى سلطان السيد المسيح وتعاليمه، وفيه لعن السيد المسيح شجرة التين غير المثمرة على الرغم من أنها مورقة ومبهجة للناظرين، وهو إشارة إلى “اليهود” الذين يحفظون الناموس تلاوة دون فعل. كما عمل المسيح على تطهير الهيكل بطرد الباعة والصيارفة من ساحته، وهو ما يشير بانقضاء الطقس اليهودي القديم وتأسيس كنيسة العهد الجديد.

ومن عادات الكنيسة القبطية في هذا اليوم، والتي اتخذت شكلًا طقسيًا، استخدام الشارات السوداء في الكنيسة عقب عشية أحد الشعانين وتغطية أعمدتها وحوائطها بستائر سوداء دلالة على الحزن المرتبط بالآلام، وإغلاق ستر الهيكل حتى قداس خميس العهد.

ثلاثاء البصخة (الثلاثاء الكبير)

وهو يوم التعليم حيث سلم السيد المسيح لتلاميذه تعاليم كثيرة عن الأسرار الكنسية وأولها المعمودية وعن وجوب إعطاء الصدقات، وعلمهم بأمثال، وتعهد الفرق اليهودية من الكتبة والفريسيون بالويل والثبور، وتحدث عن خراب الهيكل وعن القيامة وعلامات المجيء الثاني لآخر الأزمان، وأعلم تلاميذه عن صلبه.

أربعاء البصخة

يسمى “أربعاء أيوب” وسمي هكذا لاحتمال السيد المسيح للآلام مقارنة باحتمال النبي أيوب البار. ومن أحداثه الرئيسية أنه يأتي تذكارًا لليوم الذي اتفق فيه يهوذا مع رؤساء الكهنة اليهود على تسليم السيد المسيح لهم مقابل ثلاثين من الفضة، وتذكارًا لحادثة المرأة سارقة الطيب على رأس السيد المسيح.

وتشير المصادر التاريخية إلى أنه من تقاليد الكنيسة القبطية في هذا اليوم الصيام إلى الغروب والإفطار على البقوليات والفريك وهو نبات القمح قبل نضجه، وهذه الأطعمة ترمز إلى الحياة الجديدة. كما انتشر في قرى الصعيد صنع دمية من سنابل القمح بترتيب السنابل رأسيًا وأفقيًا لتأخذ شكل دمية برأس وقدمين وذراعين، يعلقونها على العتبة العلوية من باب البيت، وهذا يرمز إلى الخير والنماء والخصوبة. كما كان المصريون في العصور الوسطى يحتفلون بهذا اليوم بالخروج إلى النيل والاستحمام به. أما في الكنيسة المارونية بلبنان، فعندهم تقليد آخر يسمى “رتبة القناديل”، ويقابل طقس “سر مسحة المرضى” في الكنيسة القبطية الذي يعقد يوم الجمعة العظيمة، إنما بالكنيسة اللبنانية يعقد يوم أربعاء أيوب.

خميس العهد

خميس البصخة (خميس العهد أو خميس الأسرار) يعتبر من الأعياد السيدية في الكنيسة القبطية، وتتمثل أحداثه في تناول العشاء الأخير وتأسيس أحد أسرار الكنيسة وهو سر الإفخارستيا، وقيام السيد المسيح بغسل أرجل التلاميذ، وصلاته في بستان جثسيماني، وتسليم يهوذا سيده إلى الرومان.

وتجري الكنيسة القبطية في هذا اليوم طقسًا يسمى “اللقان”، أي المغسل، وهو في الأصل اسم يوناني يشير إلى الإناء الذي يستخدم في غسل الأقدام، ويأتي الاحتفال بهذا الطقس تيمنًا بغسل السيد المسيح أرجل تلاميذه. ويصنع بطقس الكنيسة ثلاث مرات في السنة، إحداها يوم خميس العهد.

كما جرى التقليد القبطي بأن يقوم البطاركة الأقباط بصناعة الميرون، الزيت المقدس الذي يستخدم في الأسرار الكنسية، في هذه المناسبة. وكان لهذا الإناء في الكنائس القديمة مكان ثابت، وكانت الكنائس القبطية الأثرية تحفظ موضعه في الخورس الأول، وبعضها في خورس الموعوظين (الخورس الثالث بالكنيسة) أو في الجهة الغربية من صحن الكنيسة. وتحتفظ الكنيسة اللاتينية بهذا التقليد حتى اليوم، فإنك عند دخولك إلى الكنائس الكاثوليكية تشاهد ذلك الحوض الرخامي الصغير في أرضية الجزء الخلفي للكنيسة بالقرب من مدخل الدخول.

ويشير المقريزي إلى أنه من تقاليد الأقباط في هذا العيد الصيام حتى بعد انقضاء الصلوات الليتورجية والإفطار على العدس، ويطلقون عليه خميس العدس. أما أهل الشام فيسمونه خميس الأرز ويمنعون التصافح بالأيدي في هذا اليوم إشارة إلى خيانة يهوذا.

الجمعة العظيمة

جمعة البصخة (الجمعة العظيمة): ومن أهم أحداثها أنها بدأت في عشيتها بالقبض على السيد المسيح بواسطة الرومان وهو يصلي في بستان جثسيماني، ويعقبه محاكمته التي أجريت في دار “قيافا” رئيس الكهنة اليهود، وإنكار بطرس، وصدور حكم السنهدريم (مجمع اليهود) بالموت ضد يسوع، وتمزيق قيافا لثوبه دلالة على التهمة الزائفة التي ألصقوها ضد السيد المسيح وهي التجديف.

وكانت هذه الحادثة إيذانًا بانتهاء طقس الكهنوت اللاوي وإرسال المسيح إلى بيلاطس الوالي الروماني، ثم إرساله إلى هيرودس أنتيباس ملك الجليل، وعودته إلى بيلاطس مرة أخرى ليؤيد الحكم بالصلب على السيد المسيح، ويغسل يديه بغرض تبرئة نفسه من دمه. ثم تأتي أحداث العذابات التي تعرض لها المسيح، وأحداث الصلب ومن أهمها تسليمه للجلد وحمله لعوارضة الصليب الخشبية ووضع إكليلًا من شوك على رأسه وإلباسه ثوبًا أرجوانيًا،

وبعدها سيره في طريق الآلام الذي يمتد من قلعة أنطونينا مقر الولاية الرومانية في شمال شرق المدينة القديمة حتى يصل إلى جنوبها الشرقي ويصعد إلى جبل الجلجثة ليصلب هناك. وينتهي مشهد الآلام بموت السيد المسيح، وحوادث زلزلة الأرض وانشقاق الصخور والظلمة وانشقاق حجاب الهيكل. وأنزال السيد المسيح عن الصليب وتكفينه ودفنه، وموضع قبره الفارغ كان المركز الذي بنيت عليه كنيسة القيامة المقدسة بواسطة الإمبراطورة هيلانة وابنها الإمبراطور قسطنطين الكبير (306- 337م).

ومن تقاليد الأقباط في هذا اليوم الصوم حتى الغروب والإفطار على الفول النابت إشارة إلى الحياة الجديدة التي ظهرت بعد موت السيد المسيح على الصليب.

أسبوع الآلام، أحد الشعانين، الجمعة العظيمة، عيد القيامة، الفنون القبطية
تصوير فني للسيد المسيح مع أتباعه، يعكس الروحانية والتأمل.

سبت النور (سبت الفرح)

هذا آخر يوم من أيام أسبوع الآلام، ومن أهم أحداثه وضع حراسات رومانية على قبر السيد المسيح وختم القبر بالختم الروماني. ويبدأ اليوم من عشية الجمعة وفق التقليد الكنسي، حيث يقيم المؤمنين بالكنيسة طوال الليل بما يعرف باسم طقس “أبو غالمسيس”، والمصطلح يوناني يعني بالعربية “الرؤيا”، حيث يقرأ سفر الرؤيا كاملًا وهو آخر أسفار الكتاب المقدس بعهده الجديد. وينتهي الطقس بإقامة صلاة ليتوروجيا باكر اليوم “القداس الإلهي”.

ومن تقاليد الأقباط في هذا اليوم تكحيل العين للحصول على رؤية قوية دلالة على قوة القيامة. وينتهي هذا اليوم في العشية، حيث يبدأ يوم الأحد الذي تجري فيه الاحتفال بعيد القيامة المجيد.

يمكنكم معرفة المزيد حول تاريخ الكنائس والأعياد المسيحية عبر موقع الدليل نيوز.

للمزيد حول الآثار والفنون القبطية، يمكنكم زيارة موقع وزارة الثقافة: وزارة الثقافة المصرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights