حضارة وتاريخسلايدر

حفلات المواقع الأثرية بين مطرقة الاستثمار وسندان الحماية من التدمير الممنهج 

كتب: د. عبد الرحيم ريحان 

شهد العالم في العقدين الأخيرين تحولًا غير مسبوق في طريقة استغلال المواقع الأثرية، حيث تحولت من مجرد متاحف مفتوحة للزيارة العلمية والسياحية إلى منصات للحفلات الموسيقية الضخمة والمهرجانات العالمية. فمن الهرم الأكبر فى مصر إلى مدرج الكولوسيوم في روما إلى معبد أنغكور وات في كمبوديا، ومن البتراء في الأردن إلى ماتشو بيتشو في البيرو، أصبحت هذه المعالم شاهدة على نوع جديد من التفاعل بين التراث القديم والترفيه الحديث.

هذه الظاهرة أثارت نقاشًا عالميًا حادًا: هل تمثل هذه الحفلات وسيلة مبتكرة لتنشيط السياحة الثقافية وتمويل صيانة المواقع؟ أم أنها تشكل تهديدًا ماديًا ومعنويًا لهذه الكنوز التي لا تعوض؟ هل السياسات الدولية تتسم بالشفافية والاعتماد على الدراسات العلمية؟ ما طبيعة السياسات المصرية المتعلقة بإدارة المواقع الأثرية، وإلى أي مدى تتسم بالوضوح أو غياب البيانات؟

طرحت حملة الدفاع عن الحضارة المصرية هذه الأسئلة على الأستاذة الدكتورة علا العبودى أستاذ الآثار والحضارة المصرية القديمة بكلية الآثار – جامعة القاهرة

ماذا عن التجارب الدولية فى هذا الإطار وكيف تم التعامل معها؟

شهد الكولوسيوم الروماني عددًا من الفعاليات الموسيقية التي أثارت نقاشًا واسعًا بين المختصين، منها حفلات راي تشارلز (2002)، بول مكارتني (2003)، وأندريا بوتشيلي (2009) داخل مدرج فلافيان، كما أقيمت حفلات لموسيقى الجاز في المسرح الروماني في تيفولي.

 بعد هذه الحفلات، صدرت قيود صارمة على استخدام الكولوسيوم في الفعاليات الترفيهية بسبب التخوف من تأثير الاهتزازات على أساساته المتآكلة واشترطت السلطات الإيطالية أن تكون الحفلات محدودة العدد والجمهور وأن تعتمد على العروض الهادئة (أكوستيك وجاز)، مع منع المؤثرات الصوتية العنيفة، تم تركيب أجهزة قياس اهتزاز آنية (Seismometers) تراقب الموقع بشكل دقيق بواسطة فرق متخصصة في الحفاظ المعماري والإنشائي. الدراسات الإيطالية حددت أن الاهتزازات التي تزيد عن 60-70 ديسيبل يمكن أن تسبب تشققات دقيقة بعد تكرارها.

شهد موقع ماتشو بيتشو عام 2011 فعاليات احتفالية بمناسبة مرور مائة عام على إعادة اكتشافه، شملت عروضًا موسيقية وأضواء ليزر وبحضور الرئيس السابق ألان غارسيا، وقد أثارت هذه الفعاليات انتقادات لاذعة من منظمة اليونسكو والمجتمعات العلمية مما دفع الحكومة البيروفية إلى حظر جميع الحفلات والفعاليات إلى الأبد، والاكتفاء بالجولات السياحية الصباحية فقط.

أما بخصوص “أنغكور وات” المعبد الهندوسي-البوذي الضخم فيستضيف عددًا قليلاً جدًا من الحفلات لأغراض دبلوماسية، مثل حفل أوركسترا فرنسية 2013. تدير هيئة “أبسارا” (APSARA) الموقع بشكل صارم فيُمنع أي حفل جماهيري داخل المعابد الرئيسية وتُقتصر العروض على مناطق عازلة على بُعد 500 متر على الأقل من المعابد، كما تمنع الرقصات غير المناسبة أو العروض التي لا تتوافق مع طبيعة الموقع التراثي، او التي تخل بالنظام العام، إلى جانب فرضها ضوابط دقيقة على التصوير لأغراض تجارية، وفي حفل أقيم في عام 2013 استضاف الموقع 1000 مستمع، وتضمنت ترتيباته معالجة المنطقة بمبيدات الحشرات.

ألغت شركة “إنجلش هيريتيج” عام 2021 أي تصاريح للحفلات التي كان من المعتاد ان تقام في موقع ستونهنج Stonehenge) ) ببريطانيا، والتي كان يسمح فيها بمجموعات صغيرة بالعزف على آلات تقليدية (قيثارات) خلال شروق الشمس، كما منع إدخال أو استخدام أي مكبرات صوت أو موسيقى الإلكترونية مع تحديد عدد الزوار وتخصيص مناطق محددة خارج الدائرة الحجرية.

وتعتبر السياسة الهندية هي الأكثر صرامة عالميًا تجاه تاج محل، فقانون الآثار لعام 2010 يحظر أي نشاط ترفيهي أو تجاري داخل دائرة 100 متر من النصب المركزي، و500 متر من المنطقة العازلة.

تدخلت المحكمة العليا في عدة مناسبات لتأكيد تطبيق المنطقة المحظورة المعروفة بـ Taj Trapezium Zone” ” والتي تمتد لحماية الموقع من الأنشطة الصناعية أو الترفيهية التي قد تؤثر عليه، وعندما أقيمت حفلة “إنكريديبل تاج كونسرت” Incredible Taj Concert) )عام 2018 التي نظمتها هيئة تنمية أغرا أصدرت المحكمة العليا الهندية أمرًا بوقفها فورًا وهدد القضاة بسحب صفة “موقع تراث عالمي” إذا استمرت المخالفات.

وماذا عن التجارب العربية وكيف يتم التعامل معها؟

على عكس الدول التي دخلت مجال الحفلات الأثرية حديثًا، يمتلك لبنان تجربة رائدة بمهرجان “بعلبك الدولي”، الذي يُعد واحدًا من أقدم المهرجانات الثقافية في المنطقة والعالم، فقد انطلقت أولى دوراته في عام 1956 ليكون نموذجًا للاستخدام الراقي للموقع ساحة معبد باخوس الاثري، أحد أفضل المعابد الرومانية حفظًا في العالم، ويقدم كل عام حفلات طرب عربي وموسيقى كلاسيكية عالمية.

عندما تحولت رؤية السعودية 2030 العُلا (مدائن صالح والحِجر) إلى وجهة عالمية للترفيه، والتي بدأت منذ عام 2019، أقيمت عدد كبير من الحفلات تحت جبال الفيل شارك فيها أندريا بوتشيلي، أليسيا كيز، ياني، وعمرو دياب. أعلنت الهيئة الملكية لمحافظة العُلا أن 30% من إيرادات موسم العُلا تذهب لصندوق حماية الآثار، كما انه يتم تطبيق تقنيات عزل للاهتزازات، وإجراء مسوحات أثرية قبل وبعد كل حدث، وكذلك يتم تحديد عدد الزوار في كل فعالية بشكل دقيق مع الإعلان عنه مسبقًا.

شهدت الأردن – البتراء (وادي موسى) خلال عامي 2022 و2023 تنظيم حفلات موسيقية لفرق إلكترونية ودي جي عالمية، كما استضاف مهرجان ميدينا (Medaina Festival ) في مايو 2025، وقد أقيم أمام واجهة الخزنة ما أثار جدلاً واسعًا بعد انتشار مقاطع تُظهر سلوكيات وملابس اعتُبرت غير متوافقة مع السياق الثقافي المحلي، وأدت إلى اعتراضات من المجتمع المحلي والقبائل، حذّر خبراء الآثار الأردنيون من أن تدفق آلاف الزوار إلى الموقع في وقت واحد، وما يصاحبه من ضغط ميكانيكي على الأرضيات الرملية والحجر الرملي، بالإضافة إلى الاهتزازات منخفضة التردد الناتجة عن أنظمة الصوت القوية، قد يسهم في إحداث شقوق في البنية الصخرية الهشة للموقع، الا ان قانون الآثار الأردني رقم 21 لعام 1988 (المادة 9): تنص هذه المادة بشكل قاطع على أنه “يحظر إتلاف الآثار أو تخريبها أو تشويهها أو إلحاق أي ضرر بها” ويمنح وزير السياحة والآثار، بصفته المسؤول عن تنفيذ القانون صلاحية التدخل لمنع أي نشاط يشكل ضررًا واضحًا، ولكن تترك هذه الصلاحية كسلطة تقديرية للوزير في تفسير ما يشكل ضررًا يستوجب المنع. أي ان الوزير له صلاحية منع أي حفل إذا رأى أنه يضر بالموقع

مصر لها خصوصية فى هذه الحفلات والمستمرة رغم تحذيرات المتخصصين فهل هناك إحصائية تقريبية لهذه الحفلات وعدد الحضور والتى زادت حدتها منذ عام 2024؟

بالفعل هناك إحصائية دقيقة للحفلات فى المواقع الأثرية منذ عام 2024، ففى منطقة الأهرامات حفل زفاف أنكور جاين 26 أبريل 2024 عند أبو الهول، وشملت الاحتفالات التي استمرت أربعة أيام أيضًا حفل عشاء في قصر محمد علي، حفل زفاف كريمة رجل الأعمال باسل سماقية (صاحب مصانع قطونيل) أكتوبر 2024، عدد الحضور لم يُعلن عنه رسميًا، مهرجان Zamna Egypt 2025 – أبريل 2025، عدد الحضور لم يُعلن عنه رسميًا، هذا المهرجان هو نفسه الذي أثار انتقادات من الجمهور

مهرجان EXIT Festival Egypt 2025 أكتوبر 2025، عدد الحضور لم يُعلن عنه رسميًا، حفل أنيما (Anyma) “Quantum Genesys) أكتوبر 2025، عدد الحضور المعلن: 15,000 شخص (منهم 11,000 سائح أجنبي و4,000 مصري) وأوضح ربيع مقبل منظم الحفل أن حوالي 10,500 أجنبي دخلوا مصر خصيصًا لحضوره وأن نفقاتهم بلغت نحو 20 مليون دولار، أسعار التذاكر: بدأت من 10 آلاف جنيه مصري.

مهرجان “صدى الأهرامات” (Pyramids Echo Festival – TPE) – 24-30 نوفمبر 2025 حفلات منفصلة، لانج لانج (عازف بيانو صيني) في 24 نوفمبر، وديماش كودايبرجن (كازاخستاني) في 30 نوفمبر.)، حفلات ديسمبر 2025 أربعة مهرجانات في شهر واحد، حفل HAUSER) ) هاوزر – 4 ديسمبر 2025 (عازف تشيللو كرواتي).، حفل Fidele ) ديسمبر 2025 (ثنائي إيطالي لموسيقى التكنو، نُقل من سقارة إلى الجيزة).

حفل ((Katy Perry كيتي بيري – 9 ديسمبر 2025 (حفل خاص بالعملاء نظمه بنك قناة السويس، مغلق) حفل (Tiësto) تييستو – 19 ديسمبر 2025 (الحدث الأكبر ضمن مهرجان EXIT)) عدد الحضور لجميع هذه الحفلات لم يُعلن عنه رسميًا (باستثناء أن حفل كيتي بيري وصف كان بحضور عدد محدود من الشخصيات).

موسم حفلات GEM Nights يناير-مارس 2026، برايان ماكنايت (12 ديسمبر 2025 )، وبريان آدامز (13 مارس 2026)، عدد الحضور: لم يُعلن عنه رسميًا (وصف حفل برايان آدامز بحضور آلاف المتفرجين).

وفى منطقة سقارة الأثرية حفل زفاف ليلى أحمد زاهر وهشام جمال – 23 أبريل 2025 أقيم الحفل في منطقة فناء احتفالات مجموعة هرم سقارة الأثري (أي داخل حرم الأثر) وتم إضاءة الهرم خصيصًا لهذه المناسبة، مع عقد القران: في قصر محمد علي بالمنيل في اليوم السابق (22 أبريل).، عدد الحضور لم يُعلن عن رقم رسمي (ذكر حضور “عدد كبير” من نجوم الفن).

 وفى معابد الأقصر حفل فرقة أدرياتيك (Adriatique) – Cercle فبراير 2023، أقيم الحفل في محيط معبد حتشبسوت الجنائزي (الذي يعود تاريخه إلى 3500 عام)، على الضفة الغربية لنهر النيل في الأقصر، عدد الحضور المعلن: حوالي 3,000 سائح.

ما هى الأضرار الموثقة علميًا لهذه الحفلات على الآثار؟

استنادًا إلى الدراسات التي أجريت في إيطاليا والأردن والهند وبريطانيا، يمكن تلخيص الأضرار في ثلاثة محاور رئيسية الاهتزازات الصوتية حيث تنتقل الموجات الصوتية المنخفضة (خاصة ترددات الباص) إلى الأساسات الحجرية، خاصة في الصخور المسامية مثل الحجر الرملي (البتراء) والحجر الجيري (الأهرامات)، وأثبتت الدراسات الحديثة أن اهتزازات تزيد عن 70 ديسيبل يمكن أن تسبب تشققات دقيقة بعد تكرارها.

اكتظاظ الجمهور، فهناك عشرات الآلاف من الأشخاص يمشون ويرقصون على أرضيات أثرية غير مصممة لمثل هذه الضغوط مما يؤدي إلى تآكل السطح وتفتت الطبقات السطحية.

علاوة على تأثيرات البنية التحتية المؤقتة من إنشاء مسارح ومنصات وإضاءة ثقيلة يتطلب حفرًا أو تثبيتًا في التربة الأثرية، وأضواء الليزر تسبب تفاعلات كيميائية ضوئية على الأسطح الحجرية، كما تترك الحفلات مخلفات كيميائية يصعب تنظيفها من المناطق الأثرية.

وكل هذه الأضرار لو وضعت أمام المكاسب من هذه الحفلات فإن الخاسر هي الآثار باعتباره تدميرًا تدريجيًا للأثر في مقابل تنشيط السياحة من زيادة إشغال الفنادق في المناطق المحيطة وتشغيل عمال محليين في التنظيم والأمن والنظافة والترويج العالمي للموقع

ما موقف اليونسكو، خاصة وإن هذه الاحتفالات تجرى في مواقع مسجلة تراث عالمى؟

أصدرت اليونسكو تقارير دورية عن “التهديدات” للمواقع المدرجة على لائحة التراث العالمي، ففي عام 2019 وضعت المنظمة مبادئ توجيهية للسياحة المستدامة تؤكد أن “تطوير السياحة والأنشطة السياحية يجب أن يساهم في حماية مواقع التراث وألا يلحق بها ضررًا”، كما دعت إلى “إدارة الازدحام” والتخطيط الدقيق للبنية التحتية لضمان عدم تأثيرها سلبًا على القيمة العالمية الاستثنائية للمواقع

كما تناولت مناقشات لجنة التراث العالمي في دورتها الثالثة والأربعين (باكو، 2019) بالتفصيل أوضاع المواقع المهددة وضرورة تقييم التأثيرات البيئية والتراثية لأي مشاريع كبرى تقع ضمن مناطقها العازلة

ورغم ذلك لم تصدر اليونسكو أي تهديدات رسمية بسحب التصنيف من أي دولة بسبب الحفلات الموسيقية الصاخبة إلا في حالتين، البيرو حين هددت اليونسكو بإدراج ماتشو بيتشو على هذه القائمة بسبب مشكلة السياحة الجماعية والإدارة غير المستدامة، وكمبوديا حيث ركزت مخاوف اليونسكو على أنغكور وات بسبب مشاكل النزاعات الحدودية والإخلاء القسري للسكان.

 ومن المفارقات العجيبة أن منظمة اليونسكو التي تصدر التقارير تلو التقارير ضد الحفلات في المواقع الأثرية حول العالم، وتهدد بسحب التصنيف من دول مثل البيرو وكمبوديا، لم تصدر حتى الآن تصريحًا واحدًا بخصوص الحفلات التي تقام على سفح أهرامات الجيزة – الموقع رقم واحد على قائمة التراث العالمي – ولا بخصوص حفلات سقارة والأقصر، هذا الصمت المريع يثير التساؤلات حول ازدواجية المعايير داخل المنظمة الدولية.

هل تعلن الجهات المسئولة عن التراث في مصر تفاصيل هذه الحفلات حتى تتمكن منظمة اليونسكو من المتابعة؟

هناك غموض وغياب البيانات عن الأضرار وأعداد الحضور عند مقارنة التجربة المصرية بالتجارب الدولية الرصينة (إيطاليا، الهند، بريطانيا، بيرو، كمبوديا، السعودية)، تبرز فجوة هائلة في الشفافية والمعلومات

والمفروض عمله هو إصدار تقارير تشمل دراسات علمية محكمة حول تأثير الاهتزازات على الحجر الجيري والرملي وتحديد دقيق لمستوى الصوت المسموح (60-75 ديسيبل) و تركيب أجهزة قياس اهتزاز لحظية وتقارير ما بعد الحفلات عن أي تشققات أو تآكل، وحصر أعداد الحضور بدقة وإعلانها

وإجراءات صارمة مثل منع الموسيقى المضخمة أو إقامة الحفلات في مناطق عازلة بمسافات محددة (500 متر)

وفى البيانات المصرية لا توجد دراسة علمية واحدة منشورة أو حتى داخلية (تم تسريبها) حول تأثير الحفلات على أحجار الأهرامات أو هرم سقارة أو معبد حتشبسوت، لا يوجد حد أقصى محدد لمستوى الصوت والاهتزازات في المواقع الأثرية المصرية، ولا توجد أجهزة مراقبة اهتزاز مثبتة بشكل دائم أو مؤقت أثناء الحفلات (حسب المعلومات المتاحة للجمهور)، وأعداد الحضور غامضة في معظم الحفلات لم يعلن عنها من آلاف المتفرجين ولا توجد تقارير ما بعد الحفلات عن حالة الأحجار أو الأساسات بعد انتهاء الفعاليات.، مع غياب أي معايير وطنية لتنظيم الحفلات في المناطق الأثرية على غرار ما هو موجود في إيطاليا والهند وبريطانيا.

وأعطى لكم مثال صارخ على الغموض ففي حفل زفاف ليلى زاهر في سقارة (23 أبريل 2025) تم إضاءة الهرم بأكمله بأضواء ملونة وتدفق المئات من الضيوف وطاقم التنظيم على أرضية أثرية وداخل حرم الأثر ذاته ولا يوجد أي إفصاح رسمي عن عدد الحضور الدقيق ومستوى الصوت المستخدم ولا إجراءات الوقائية لحماية الهرم وتقييم ما بعد الحفل كل ما هو متاح هو فيديوهات وتغطيات إعلامية عامة.

ما هي مقترحاتك للتوفيق بين الاستخدام وحماية الأثر؟

على ضوء التجارب العالمية الرصينة (إيطاليا، الهند، بريطانيا، كمبوديا) والفجوات المصرية الواضحة، يمكن اقتراح إطار عمل متوازن لمصر

1. تقييم تأثير أثري مستقل معتمد من لجنة علمية مستقلة (وليست تابعة لوزارة السياحة والآثار فقط، بل تضم خبراء دوليين).

2. المسافة الآمنة: يجب ألا تُقام الحفلات داخل الموقع الأثري نفسه، بل في ساحات أمامية أو مناطق عازلة تبعد 500 متر على الأقل (كما هو الحال في أنغكور وات وتاج محل).

3. الحد من شدة الصوت: عدم تجاوز 65-70 ديسيبل عند أقرب نقطة أثرية، مع استخدام مكبرات اتجاهية ومراقبة لحظية.

4. مدة محددة: الفعالية لا تزيد عن 3 ساعات، وتنتهي قبل غروب الشمس لتجنب الإضاءة الصناعية الثقيلة وأضواء الليزر.

5. الحد الأقصى للجمهور: وفقًا لدراسات سعة التحمل لكل موقع على حدة مع الإعلان المسبق عن العدد.

6. ضمان ممارسات مستدامة ومنها أرضيات عائمة تمتص الاهتزازات تغطي التربة الأثرية (لا يتم الحفر مطلقًا لتثبيت أعمدة أو منصات)، وإلزام المنظمين بدفع تأمين بيئي وأثري يُسترد بعد فحص الموقع قبل وبعد الحفل بواسطة لجنة مستقلة.ومنع استخدام أضواء الليزر والألعاب النارية نهائيًا في المواقع الأثرية.

اتخذت بعض الدول خطوات جادة تستند إلى دراسات علمية واضحة حول مخاطر الاهتزازات والزحف البشري، هذه الدول وضعت حدودًا رقمية دقيقة (مستوى الصوت، عدد الزوار، المسافة الآمنة) وأجهزة مراقبة وإجراءات رادعة (حظر نهائي في ماتشو بيتشو، غرامات وسحب التصنيف في الهند). وكانت الشفافية السمة الغالبة، فأعداد الحضور معلنة والتقارير بعد الحفلات منشورة.، أمّا في مصر فهناك غياب شبه تام للبيانات العلمية عن تأثير هذه الحفلات على أقدم وأهم موقع أثري في العالم (الأهرامات) كذلك أعداد الحضور غامضة لمعظم الحفلات بالإضافة الى صمت مريب من اليونسكو، المنظمة التي يترأسها مدير عام مصري وكان وزيرًا للآثار.

المواقع الأثرية ليست مجرد خلفية للحفلات؛ إنها وثائق حجرية لتاريخ البشرية. وإذا أردنا الاستمتاع بها بطريقة عصرية، فعلينا أن نفعل ذلك بحذر يحفظ صوتها الأصلي – ليس موسيقى البوب، بل همس آلاف السنين.

ففي حفل الفنانة ليلى أحمد زاهر وعريسها هشام جمال تظهر الصور ملامسة مباشرة للأعمدة الأثرية، وهذا يعد خرقًا واضحًا لقواعد السلوك المعتمدة داخل المناطق الأثرية، إذ إن التلامس المباشر يسرع من عمليات التآكل الكيميائي للأسطح الأثرية، هذه الممارسات الموثقة في الصور ليست مجرد تصرف فردي غير لائق، بل يمكننا أن نتخيل أن كل من حضر هذا الحفل – والعدد غير معلن رسميًا – قد لمس أو حتى اتكأ على هذه الأعمدة، خاصة أنها تشكل الممر الوحيد المؤدي إلى الفناء الذي أُقيم فيه الاحتفال.

أمّا الفناء الذي اقيم فيه الحفل هو ذاته المكان الذي كان الملك زوسر يؤدي فيه طقوس عيد السد، وهو أقدم شاهد تاريخي على ديموقراطية ملكية مصر القديمة : ففي مصر القديمة، عندما يحكم الملك مدة ثلاثين عاما، يفترض أنه قد أصابه الكبر أو الضعف، فيطلب منه إما التنازل عن الحكم لمن يليه، أو أن يثبت لشعبه أنه لا يزال قادرا على تحمل مسؤولياته. ولإثبات هذا كان يقوم بطقوس معينة في نفس الفناء الذي اقيم فيه حفل الزفاف !!!! فقد تحول الفناء من أقدم شاهد اثبات للديموقراطية الى قاعة افراح. وما اعتاد المجتمع مشاهدته في الصورة -لمس الأثار- وكذلك ما يحدث داخل حرم الهرم – وتحديدا في فناء الحب سد – هو اعتداء مباشر وصريح على تراث إنساني يدون جذورًا واقعية للديمقراطية قبل أن يعرفها العالم بأسره.

ونضرب مثلًا للمسئولين الحاليين بما فعلته مصلحة الآثار المصرية عام 1957 عندما رفضت السماح بالتصوير داخل منطقة أثرية حقيقية لأحد أهم مشاهد فيلم الوسادة الخالية للفنان عبد الحليم حافظ، وذلك لأن المشهد يتضمن الكتابة على الحجر، وهو ما اعتبر انتهاكًا لحرمة الأثر وتشويهًا له وتمسكت الجهة المسؤولة بموقفها دون قبول أي استثناءات مما دفع صلاح ابو سيف مخرج الفيلم، إلى بناء ديكور في الصحراء يحاكي الطابع الأثري، بما في ذلك الكتابة على الحجر الذي لم يكن في الحقيقة سوى جزء من الديكور السينمائي.

من الضروري أن يعاد النظر في التعامل مع المواقع الأثرية عامة وفق منهج أكثر صرامة، فالأعمدة الأثرية ليست ديكورًا، بل هي وثائق حجرية تحمل دلائل فكرية يجب الحفاظ عليها من التلف الناتج عن الضغط المتكرر والاحتكاك.

هل لديكى توصيات تصل إلى المسئولين علها تجد آذانًا صاغية لحماية تراثنا من التدمير الممنهج؟

بالطبع وهو توصيات عملية وقابلة للتطبيق الفوري ومنها إلزام وزارة السياحة والآثار بنشر تقارير دورية وشفافة حول حالة المواقع الأثرية قبل أي حفل كبير وبعده، على أن تتضمن هذه التقارير رصدًا لأي اعتداءات على الأثر بالإضافة إلى قياسات الاهتزازات الصوتية وتحليل أي تشققات أو تلفيات طرأت على الموقع، وتشكيل لجنة علمية مستقلة (غير تابعة للوزارة) تضم خبراء في الآثار، والترميم، والهندسة، تتولى متابعة مدى التزام المنظمين بمعايير وشروط إقامة الحفلات داخل المناطق الأثرية، ولها صلاحية إيقاف أي فعالية تخالف الضوابط والمطالبة بتعويض مادي ضخم.

حظر إقامة الحفلات داخل الحرم الأثري نفسه، والاقتصار على استخدام مناطق عازلة تبعد مسافة لا تقل عن 500 متر عن حدود الموقع الأثري، للحفاظ على سلامة المباني والمنشآت الأصلية.

مطالبة منظمة اليونسكو، التي التزمت الصمت تجاه هذه الممارسات في مصر، بتوضيح موقفها الرسمي من إقامة الحفلات داخل المواقع الأثرية، ووقف أي ازدواجية في المعايير.

إتاحة المجال للأكاديميين والباحثين لإجراء دراسات علمية محايدة وشفافة، يتم على أساسها تحديد حدود قصوى معلنة للتأثيرات المسموح بها للصوت والضوء على الأثار.

تخصيص نسبة ثابتة من إيرادات كل حفل تدفع مباشرة لصالح الموقع الأثري الذي شهد الفاعلية، على أن تستخدم هذه النسبة في مشاريع الصيانة والترميم والحماية للموقع نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights