تحقيقات و ملفات

صراع الأرقام والجدران.. كابوس تكدس الفصول بالمدارس الحكومية في الشرقية يهدد جودة التعليم

 

تحقيق: منصور عبد المنعم

لم يعد الفصل الدرس في العديد من المدارس الحكومية بمحافظة الشرقية يشبه البيئة التعليمية المتعارف عليها، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أشبه بـ«خلايا النحل» المتلاصقة، حيث يفترق الطلاب عن بعضهم بأجزاء سنتيمترات معدودة، وحيث تتجاوز أعداد الطلاب داخل الفصل الواحد حاجز الـ 50 و70 طالباً في بعض الإدارات التعليمية.

هذا التكدس المتبلور في الكثافة الطلابية العالية بات يُمثل صداعاً في رأس أولياء الأمور، وعبئاً إضافياً يثقل كاهل المعلمين، وتهديداً مباشراً لجودة العملية التعليمية برمتها، وسط جهود حكومية ومحلية مستمرة للبحث عن حلول جذرية تخرج المنظومة من هذا النفق المظلم.

أرقام الواقع: صرخة من داخل قاعات الدرس

تُظهر المؤشرات الميدانية في محافظة الشرقية   باعتبارها واحدة من أكبر المحافظات الكثيفة سكانياً في مصر   تفاوتاً كبيراً بين الإدارات التعليمية؛ فبينما تشهد بعض المدارس الجديدة أو القرى الصغيرة كثافات مقبولة، تعاني إدارات مثل (  الزقازيق، بلبيس، وههيا) ضغطاً غير مسبوق.

يقول محمود السيد، ولي أمر طالب بمرحلة التعليم الأساسي بمركز بلبيس: «الطفل لا يستطيع التركيز في فصل يضم أكثر من 75 طالباً. المعلم نفسه لا يمتلك القدرة الفعلية على الوصول لكل تلميذ أو متابعة مستواه، فضلاً عن ارتفاع درجات الحرارة وسوء التهوية مع هذه الأعداد الكبيرة في فصل تابعي دراسي تقليدي».

من جانبه، يوضح أحد المعلمين بمرحلة التعليم الإعدادي، أن الكثافة المرتفعة تفرض تحديات نفسية وبدنية بالغة القسوة على المعلم: «نحن نقضي النصف الأكبر من حصة الدرس في محاولة ضبط النظام والسيطرة على القاعة الصاخبة، بدلاً من إيصال المادة العلمية أو تطبيق استراتيجيات التعلم الحديثة التي تتطلب تفاعلاً ومشاركة من كل طالب».

الأسباب الجذرية: أزمة بنية تحتية وزيادة سكانية

تتعدد أسباب أزمة التكدس لتتداخل فيها العوامل الديموغرافية والاقتصادية والهندسية، وأبرزها:

  1. الزيادة السكانية المتسارعة: النمو الديموغرافي المستمر في قرى ومراكز الشرقية يولد سنوياً آلاف المواليد الجدد الذين يدخلون سن الإلزام التعليمي، متجاوزين الطاقة الاستيعابية للمنشآت القائمة.
  2. العجز النسبي في الأبنية التعليمية: على الرغم من جهود هيئة الأبنية التعليمية في التوسع بإنشاء مدارس جديدة، إلا أن معدل بناء المدارس لا يتواكب أحياناً مع حجم الكثافة المتركزة في التجمعات العمرانية الكبرى والمدن الجديدة مثل العاشر من رمضان.
  3. الاعتماد على الفترتين الدراسية: تلجأ بعض المدارس لنظام الفترتين (الصباحية والمسائية) كحل اضطراري ومسكن مؤقت، إلا أن ذلك يقلص ساعات التحصيل الفعلي ويؤثر على الأنشطة المدرسية اللاصفية.

الحلول والبدائل المطروحة: بين الرؤية الرسمية والجهود المجتمعية

تسعى مديرية التربية والتعليم بالشرقية بالتعاون مع الأجهزة التنفيذية بالمحافظة إلى محاصرة هذه الأزمة عبر مسارات متعددة، تشمل:

  • التوسع في بناء فصول جديدة: إدراج خطط عاجلة لإنشاء وتوسعة المدارس في المناطق الأكثر سخونة وكثافة، ضمن المبادرات الرئاسية ومشروعات التنمية.
  • استغلال الفراغات المتاحة: إعادة توزيع الفصول الدراسية داخل المدارس التي تملك مساحات غير مستغلة، وتحويل بعض الغرف الإدارية إلى فصول دراسية مؤقتة لخفض الكثافة.
  • الاستعانة بالمعلمين بالحصة: لسد العجز المؤقت في أعداد المعلمين الناتج عن التوزيع غير الهادئ للكثافات، بما يضمن عدم توقف الحصص الأساسية.

رؤى مقترحة للخروج من الأزمة

يُجمع الخبراء التربويون على أن حل مشكلة التكدس يتطلب استراتيجية طويلة الأجل لا تقتصر على الحلول الأمنية أو الإدارية المؤقتة، بل تتطلب:

  • تشجيع المشاركة المجتمعية ورجال الأعمال في إنشاء مدارس جديدة تدعم القرى والمناطق المحرومة.
  • الإسراع في تطبيق منظومة التحول الرقمي والتعليم الهجين للتقليل من الاحتياج اليومي للجلوس داخل الفصول التقليدية بنسبة 100%.
  • وضع خطة توزيع عادلة ومحكمة للمعلمين تمنع تكدس الكفاءات في الإدارات الحضرية على حساب القرى والعزب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights