مقالاتسلايدر

التدخل الدولي في ليبيا مرهوناً بحجم التهديد لهذه المصالح

انضم إلى متابعينا وكن أول من يعلم

كتب الدكتور عادل عامر

بدأت منذ سقوط معمر القذافي الأزمة الليبية، لم يختلف موقف جامعة الدول العربية إزاء ليبيا، فكانت الجامعة دائماً مساندة لكل السلطات الانتقالية التي توالت على حكم ليبيا، وداعمة لكل الكيانات الشرعية للدولة الليبية، ورافضة لكل أشكال العنف وكل دعوات التقسيم.
وبالرغم من هذا الموقف الداعم للثورة الليبية منذ أيامها الأولى، لم تتعد مواقف جامعة الدول العربية حيز البيانات والتصريحات الدبلوماسية، فلم يكن للجامعة دور يذكر على المستوى العملي، كما لم يكن لها تواجد في الصراع الداخلي بين الفصائل السياسية المختلفة في ليبيا.
وبشكل عام، فشلت جامعة الدول العربية على مدار السنوات الماضية في وضع القضية الليبية في المكانة التي تستحقها كقضية تهدد أمن الإقليم وتشكل خطراً على العالم العربي ككل، وتهدد سلامة آلاف المواطنين داخل ليبيا وفي الدول التي تجاورها. لمزيد من التحليل حول دور جامعة الدول العربية في الأزمات الإقليمية، يمكن قراءة  “دور جامعة الدول العربية في ليبيا”.

مواقف الاتحاد الأفريقي تجاه الأزمة الليبية

أما الاتحاد الأفريقي، فلم تتغير مواقفه تجاه الثورة الليبية منذ اندلاعها وحتى الآن، ولم يكن له دور يُذكر على المستوى العملي سواء في مرحلة ما قبل سقوط القذافي أو في المراحل المختلفة التي تلت سقوط القذافي وشهدت صراعات سياسية أو عسكرية بين الفاعلين المختلفين في الأزمة الليبية.
ولكن مما لا شك فيه، أن الاتحاد الأفريقي كان أكثر نشاطا في المرحلة التي سبقت سقوط القذافي، وخاصة في بدايات الثورة وأثناء عمل المجتمع الدولي على تحديد شكل التدخل في ليبيا لوقف أعمال العنف والإبادة التي كان يمارسها معمر القذافي ونظامه ضد المدنيين في ليبيا.
كان حجم الاهتمام الموجه لليبيا وما يحدث فيها من توتر كاشفاً عن أهميتها للاتحاد، وفاضحاً لأولويات أجندة الاتحاد غير الموضوعية في التعامل مع أحداث القارة، خاصة في ظل المقارنة بين الاهتمام بمصر وتونس والاهتمام بليبيا.
فقد أصدر الاتحاد الأفريقي بياناً بشأن ليبيا أدان فيه أعمال العنف في البلاد بعد أسبوع من اندلاع الثورة، وبعد ما يقرب من شهر من بدء الأحداث (12 مارس 2011) اتخذ مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد موقفا برفض التدخل العسكري الدولي في ليبيا، وأعلن عن تشكيل لجنة من خمسة رؤساء أفارقة للتشاور مع جميع الأطراف في ليبيا بشأن الأزمة.
وعقد الاتحاد قمة طارئة في أديس أبابا في 25 مارس 2011 نتج عنها خارطة طريق لحل الأزمة سياسياً، ثم جاءت القمة السابعة عشر في غينيا الاستوائية في يوليو 2011 لتبحث سبل الوصول لحل للأزمة في ليبيا.
وبالرغم من كل هذا الاهتمام والنشاط الرامي لحل الأزمة، لم تتضمن بيانات الاتحاد الأفريقي بشأن ليبيا واجتماعاته حول ما يجري بها من أحداث أية إدانة لمعمر القذافي وما يرتكبه من جرائم بحق شعبه كان العالم أجمع شاهد عليها.

تحيز الاتحاد الأفريقي ومعمر القذافي

فعلى سبيل المثال، وضع البيان الصادر عن القمة الاستثنائية بأديس ابابا في 25 مارس 2011 خمسة خطوات في سياق خارطة الطريق لحل الأزمة، شملت: حماية المدنيين ووقف الأعمال العدائية، وتوصيل المساعدات الإنسانية للسكان المضارين سواء كانوا ليبيين أو من العمالة الأجنبية وخاصة الأفريقية، وبدء حوار سياسي بين الأطراف في ليبيا للتوصل لتوافق حول سبل إنهاء الأزمة، والبدء في مرحلة انتقالية شاملة، وتطبيق إصلاحات سياسية لتلبية متطلبات الشعب الليبي.
وبالنظر لبنود الحل السياسي الذي طرحه الاتحاد الأفريقي وتبناه ودافع عنه مراراً وتكراراً، نجد أنه شديد التحيز لمعمر القذافي وشديد الحرص على عدم إدانته؛ فالبند الأول من خارطة الطريق طالب بوقف الأعمال العدائية ولكنه لم يوجه مطالبته لجهة محددة، مما يعني أن الاتحاد الأفريقي ساوى في النهاية بين ما يفعله القذافي من عدوان وجرائم وما ينتهجه الثوار من عنف دفاعاً عن أنفسهم ورداً على التصعيد العنيف الذي بدأ به القذافي منذ اليوم الأول للثورة.
بمعنى آخر، فقد ساوى الاتحاد بين القوة المنظمة التي تتحرك تحت لواء الدولة وبين تشكيلات الثوار الدفاعية (آنذاك) التي تبلورت كرد فعل لعنف الأجهزة الأمنية الليبية.
ثم تطرقت الخارطة بعد ذلك لبدء حوار سياسي بين الأطراف المتنازعة في ليبيا، أي بين معمر القذافي والثوار، دون النظر لموقف معمر القذافي غير المعترف بمشروعية مطالب الثوار، بل غير المعترف بكون الثوار مواطنون ليبيون يتمتعون بحقوق، فالقذافي ظل حتى النفس الأخير ينظر للثورة على أنها مؤامرة على حكمه ومدبرة من قبل مجموعة من البلطجية والمدمنون و”الجرذان” على حد تعبيره.
فإذا كان أحد الأطراف لا يعترف بوجود الطرف الآخر، فكيف يمكن إذًا إقامة حوار سياسي في إطار السعي لحل الأزمة؟ وكشفت الثورة الليبية بالتأكيد عن أكثر من خلل داخل آلية اتخاذ القرار في الاتحاد الأفريقي، حيث كان واضحا أن الاتحاد أكثر حرصاً على الحفاظ على معمر القذافي كحليف وممول للمنظمة من أداء الدور المناط بالاتحاد اداؤه كمنظمة سياسية إقليمية ملتزمة بمبادئ وبروتوكولات.
بل ووضع الاتحاد الأفريقي كل هذه المبادئ في خدمة المصالح السياسية لقادة الاتحاد، وهو ما قلل من مصداقية الاتحاد كفاعل إقليمي في مرحلة ما بعد سقوط القذافي.
وبالتالي، لم يكن للاتحاد الأفريقي دور يذكر في الأزمة الليبية منذ سقوط القذافي في أغسطس 2011.

التحركات على المستوى الدولي والتدخل العسكري

التحركات على المستوى الدولي كان المجتمع الدولي حريصاً على التواجد في الأزمة الليبية منذ أيامها الأولى وإلى الآن، وبالرغم من الأشكال المختلفة التي اتخذها هذا التواجد سواء على مستوى الفاعلين (دول أو منظمات) أو على مستوى ماهية التدخل (عسكري أو سياسي)، كان ومازال هذا التواجد مدفوع دائما بمجموعة من المصالح السياسية، والاقتصادية، والأمنية التي طالما تحكمت في شكل التحرك الدولي فيما يخص ليبيا.
في البداية كانت الردود الدولية على ما يجري في ليبيا خجولة ومترددة إلى حد كبير، وذلك على الأرجح خوفاً من تأزم العلاقة مع النظام الليبي إن استطاع إعادة السيطرة على الوضع، ولكن بعد ارتفاع عدد الضحايا والتعتيم الإعلامي من قبل السلطات الليبية أدانت (في 20/2/2011 م) بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة قمع السلطات الليبية للمحتجين المطالبين بالديمقراطية، وحثتها على بدء الحوار معهم وتنفيذ إصلاحات.
في المقابل هددت ليبيا بوقف التعاون في مجال الهجرة غير الشرعية إذا شجعت أوروبا الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية.
وبالرغم من تخوف الغرب من تأييد الثوار في ليبيا خوفاً من استمرار القذافي في الحكم، إلا أن المواقف الرسمية لأغلب الدول الفاعلة كانت ضد معمر القذافي من منطلق إنساني، وكانت مواقف دول مثل الولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة كلها تندد بالتعامل العنيف وغير الإنساني مع المتظاهرين، وتطالب القذافي بوقف العنف والعمل على حل سياسي يضع مطالب المحتجين من الشعب في الحسبان.
ولكن سرعان ما بدأت التحولات على أرض الواقع تصبح ضد القذافي، وبدأت التنظيمات العسكرية المسلحة للثوار تتصدى لكتائب القذافي حتى أدرك الغرب أن مصالحه في ليبيا باتت مهددة بتصرفات القذافي، ولذا كانت الحملة الدولية المطالبة بالتدخل العسكري في ليبيا، والتي قادتها كل من فرنسا والولايات المتحدة بالإضافة للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو الذي قام بالتدخل العسكري من خلال تطبيق قرار الحظر الجوي وفقاً للقرار رقم 1973 الصادر عن مجلس الأمن.

مصالح المجتمع الدولي والتدخل المستقبلي في ليبيا

ومنذ انتهاء عملية “فجر أوديسا” في أغسطس 2011 بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2016 بوقف منطقة الحظر الجوي فوق ليبيا، لم يتدخل المجتمع الدولي عسكرياً في ليبيا، وظلت التساؤلات معلقة إلى الآن حول ما إذا كان انسحاب المجتمع الدولي من المشهد الليبي قرار في مصلحة الشعب الليبي أم ضدها.
وفي الواقع، لا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للمجتمع الدولي عن الوضع بالنسبة لدول الجوار، فالتهديد القادم من ليبيا قد تغير ليصبح مؤثراً على مصالح المجتمع الدولي بذات التأثير الذي أحدثه تغير هذا التهديد على دول الجوار والفاعلين الإقليميين.
وتظل مصالح المجتمع الدولي في ليبيا ثابتة، وإن تغيرت بعض الشيء مع تغير مفهوم الإرهاب خاصة على المستوى اللوجستي، ولكن يظل تدفق النفط الليبي، والعمل على الحد من الهجرة غير الشرعية، ومحاربة الإرهاب، وبناء نظام سياسي في ليبيا يضمن للغرب مصالحه هي النقاط الأساسية التي تمثل مصالح المجتمع الدولي في ليبيا، والتي يسعى المجتمع الدولي لتأمينها على مستوى الدول أو المنظمات.
ويبقى التدخل الدولي في ليبيا مرهوناً بحجم التهديد لهذه المصالح، ولهذا كانت التطورات الأخيرة في ليبيا والتي بدأت بالسجال العسكري بين ميليشيات مصراته وميليشيات الزنتان في طرابلس بعد فشل التنسيق السياسي بين التيار الإسلامي والتيار الوطني المدعوم بعدد من القبائل بمثابة ناقوس خطر للمجتمع الدولي الذي بدأ يشعر بتعاظم التهديد لمصالحه. يمكن قراءة المزيد حول قرارات مجلس الأمن المتعلقة بليبيا في موقع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights