حين تتكلّم الأخلاق: كيف تصنع العلاقات بين الصغير والكبير مستقبل المجتمع؟

كتب: د. إبراهيم درويش
لا تُقاس قوة المجتمعات بعدد سكانها، ولا بحجم اقتصادها، ولا بترسانة آلاتها ومبانيها، بقدر ما تُقاس بصلابة منظومتها الأخلاقية، وكيف تتفاعل طبقاتها وأجيالها وشرائحها المختلفة، احترام الكبير والرحمة بالصغير، قويّها مع ضعيفها، وغنيّها مع فقيرها.
فالنسيج الاجتماعي ليس مجرد وجود أفراد متجاورين، بل منظومة قيمية متشابكة، إن انهار أحد خيوطها تفسّخ البنيان كله.
احترام الكبير والرحمة بالصغير
ومن أبرز مظاهر التحضر أو الانحلال في أي مجتمع: كيفية تعامل الصغير مع الكبير، والضعيف مع القوي، والناس مع من أحسن إليهم من أهل الفضل والإحسان.
لقد علّمنا التاريخ أن المجتمعات التي تُهين كبارها، أو تسمح للغلبة بأن تطغى على الرحمة، ولوقاحة الصغار أن تسبق احترامهم، هي مجتمعات تُهزم أخلاقياً قبل أن تُهزم سياسياً أو اقتصادياً.
وفي المقابل، فإن المجتمعات التي تُعلي من قيمة الإجلال، وتُرسّخ آداب التعامل بين الفئات وبعضها، هي تلك التي تكتب لنفسها البقاء والرفعة.
هذه الحقيقة ليست تنظيراً أخلاقياً مجرداً، بل قاعدة قرآنية وسنّة نبوية وتجربة إنسانية ممتدة.
أولاً: تأصيل قرآني لقيمة احترام الكبير والضعيف
جاءت شريعتنا لتؤسّس إطاراً أخلاقياً ثابتاً ينظّم العلاقات بين الناس. يقول الله تعالى:{وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}. هذه الآية تُقدّم الإحسان للوالدين مباشرة بعد التوحيد، في إشارة إلى أن الاحترام ليس مجرّد سلوك اجتماعي، بل عبادة يثاب عليها المؤمن.
ويقول تعالى:{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}، وهو تعبير عميق يجمع بين “التواضع” و”الرحمة”.
كما يقول الله سبحانه:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} وهذه الأخوة لا تتحقق إلا بمنظومة احترام متبادل.
ثانياً: السنة النبوية تؤسس لقواعد التعامل بين طبقات المجتمع
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس مِنَّا مَن لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا». وقال صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن». وقال أيضاً: «هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم؟».
ثالثاً: مظاهر الانحلال الأخلاقي في العلاقات بين الأجيال والطبقات
- تراجع احترام الصغير للكبير.
- استغلال القوي للضعيف.
- إهمال ردّ الجميل.
- تفكك الروابط العائلية.
رابعاً: كيف يرتقي المجتمع من خلال منظومة احترام متبادلة؟
- احترام الكبير.
- الرحمة بالصغير.
- إنصاف الضعيف.
- شكر المحسن ورد الجميل.
- التواصل بين الطبقات.
خامساً: شواهد من التاريخ والواقع
عُرفت الحضارات الكبرى باحترامها لكبار السن وحماية الضعفاء. وفي المشهد المصري، البيوت التي تحافظ على تقاليد توقير الكبير أكثر استقراراً.
سادساً: أقوال مأثورة تلخص الفلسفة الأخلاقية
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “تعلموا العلم وعلّموه الناس، وتوقروا فيه كباركم، وارحموا فيه صغاركم.”
وقال الإمام علي رضي الله عنه: “قيمة كل امرئ ما يحسن.”
وقال الشافعي: “من تمام المروءة حفظ الودّ وصيانة العهد.”
وقالت العرب قديماً: “الكبير شجرة يستظل بها الصغار.”
سابعاً: ما بين الانحلال والرقي… المجتمع يختار
حين يتطاول الصغير على الكبير، ويستعلي القوي على الضعيف، ويُهمل الناس فضل من ربّاهم، يصبح المجتمع هشاً. لكن حين يُعلي الناس من شأن الرحمة والوفاء والاحترام المتبادل، يبقى المجتمع واقفاً مهما اشتدت عليه العواصف.
ختاماً
إن العلاقة بين الصغير والكبير، وبين الضعيف والقوي، حجر الأساس في بناء المجتمع. فإذا أردنا مجتمعاً قوياً، فعلينا أن نعيد إحياء قيم الاحترام والرحمة والوفاء، وأن نغرسها في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا. وليس من سبيل للنهضة أثبت من سبيل الأخلاق.
اقرأ أيضًا:
قسم الرأي في الدليل نيوز



