ثقافة وفن

رفاهية التفكير

مقال زياد تامر: أزمة الثقافة والهوية بين طبقتين في مصر

كتب/ زياد تامر

’’فإذا عرفنا أننا لا نعرف بعد من نحن فعندئذ فقط نؤسس الأساس الوحيد الذي يستطيع أن يُسّرح انطلاقاً من ذاته مستقبل كينونة جوهرية، بسيطة للإنسان التاريخي. وهذا الأساس هو ماهية الحقيقة، وهذه الماهية يجب تهييئها تفكيرياً في الانتقال إلى البدء الآخر ……….. رفاهية التفكير بل في الانتقال يجب أن يكون التفكير هو ممهد الطريق، لكن الفن سيكون مستقبلاً – أو لن يكون البتة – هو وضع الحقيقة في الأثر – تأسيساً جوهرياً لماهية الحقيقة‘‘ مارتن هايدغر

تحدثت منذ فترة في مقالٍ من مقالات منظومة أم كلثوم عن قضية التسجيلات المفقودة ثم إهمال التراث. واعتراني نوع من الخجل، لا لشيء إلا للقارئ الذي لا يقرأ وإن قرأ ربما اتهمني بالفراغ وعاد إلى شئونه. فماذا يهم الشعب بأمر حفلات أم كلثوم أو حتى فيلم الست؟

اقرأ أيضاً: نقد فيلم الست: قراءة تحليلية في سيرة أم كلثوم وكيف قدمتها السينما

لذا أواجه الآن مشكلة؛ ماذا أكتب؟ ماذا أكتب كي أجعل الناس تقرأ؟
أمامي الآن حلٌ بسيط؛ قصة ركيكة تثير الفضول المؤقت، محتوى رخيص استهدف منه التريند وأجعل الناس تقرأ.
أدركتُ بشيء من الأسى أن الحديث عن أم كلثوم رفاهية طبقة لم تشقى كثيراً؛ فلقد نلتُ تعليماً جيداً ونجوت من الشقاء الذي يصرفني عن بذرة الموهبة فيّ.
أنا حالة تسنى لها القراءة فلم أضطر للعمل لإعالة نفسي ولم أغرق في مشاكل عائلية فتمكنت أن أثمر عن قراءتي موهبة أحرص على رعايتها والمزيد من التعلم.

ماذا إذن عن مصر وعن باقي الشباب؟ رفاهية التفكيرالمفرطة والشقاء اليومي

قبل 10 أعوام كانت لمصر طبقات اجتماعية عديدة تسلم أحداها لأخرى، أما الآن فلم يعد سوى طبقتين؛ مرفهة وكادحة. وهناك ناس على شاكلتي لم يبلغوا الأولى ولا الأخيرة.
والجهل يحوط بالطبقتين؛ فالأولى براقة، أمريكا صغرى نشأت في مصر، النجاح فيها سهل وتهتم بالصورة كهيكل فارغ.
والأخيرة تعاني من الفقر والتعب لمجرد نيل قوط يومهم في ظل الأسعار، اللغة وآداب الحوار ومخارج الحروف من آخر اهتماماتهم، آلات صماء برمجت على الغذاء والعمل وانجاب الأطفال، فلا وقت للراحة واكتشاف المواهب.

كيف لمثل تلك الطبقتين أن تثمرا عن مثقفين مسؤولين؟ كيف لمواهب قد تثري مصر أن تظهر وأصحابها لا يدرون عنها شيئا؟
كيف لشباب توحدت ملامحهم – بين فقر وغنى – أن يفهموا فكرة الفرد في المجتمع والمجتمع ككل؟ بل كيف بعد أعوام سيصيرون أهالٍ لأطفال عليهم تنشأتهم وتعليمهم الأصول والدين؟
هناك جيل كامل الآن بحاجة للتعليم والتنشأة من جديد فنحن أمام فجوة ستضر بالقومية والهوية خلال 10 أعاوم أخرى لأجيال أخرى قادمة.

في الماضي كان العيب مستتراً والآن صار شيئاً عادياً وحرية شخصية طالما لا تضر الغير. عقول خاوية وأخلاق سطحية وحرية مطلقة لا سؤال فيها.
مثالٌ على ذلك، الإنفتاح بين الجنسين؛ مواكبة العصر أمر الزامي طالما اهتدينا بضمير الماضي والعقائد، هذا الضمير الذي سيرشدنا في التعامل السليم لكل جنسٍ مع الآخر، إذا غاب هذا الضمير استحال الأمر فتنة.

مرة ذهبت إلى حديقة أقيم فيها معرض للمنتجات وشعرت أني في جهنم صغيرة؛ كل شيء شاذ ومباح، الفتيات يُظهرن أكثر مما يخفين، الفتيان يدخنون المخدرات ويداعبون الفتيات، اللغة الإنجيزية تطاردني في كل مكان، والأبشع كان وجود الشواذ كأمر طبيعي، كل فتىً يتأبط رفيقه الفتى في ثياب تليق لملهى ليلي، والمعرض أصلا مخصص للعائلات والأطفال.

وأعود وأسأل كيف سيصير هؤلاء آباء إذا لم يتم صقلهم من جديد؟
وأتساءل مجدداً لماذا أكتب ولمن؟ لهؤلاء؟

على الشباب أولا أن يجدوا هدفاً ما ليسعوا من أجله، رسالة يقومون بها لمواكبة العصر بوحي من تراث مضى، إثبات الفرد ك (أنا) موجود لهدف سامٍ ولي شخصي المميز المختلف المتناغم مع الآخرين.
عليهم بالتفكير والتأمل في ما وصلوا إليه من حال وفي القادم، عليهم أيضاً بجانب (الأنا) لي هدف أسعى إليه أن يخرجوا من قوقعة (الأنا) أحيا لنفسي ل (أنا) أحيا مع الآخرين وللآخرين ولنفسي لإثراء نفسي. أن يكسروا ما برمجوا أنفسهم عليه وأن يبدعوا في كافة المجالات. أن يتدبروا ويتأنوا في عصر السرعة ويكسروا نمط التطير من الممل كالقراءة. ببساطة أن يصيروا إنساناً.

أعلم أني الآن ربما أكتب الآن للهواء ولكن أفضل من ألا أكتب إطلاقاً، لا أملك شهرة ولم أنشر ما يربحني المال الوفير. أن تترك صوتاً ضئيلاً ربما ردده صدى ما أفضل من التزام الصمت.

للمزيد من القراءات الفلسفية حول أفكار “مارتن هايدغر” وتأثير الفن والتفكير في تشكيل الوعي، يمكنكم زيارة موسوعة ستانفورد للفلسفة (Stanford Encyclopedia of Philosophy).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights