بقلم: د. قاسم زكي
عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين
حين يُذكر تهريب الآثار المصرية، تتجه الأنظار فوراً نحو القناصل الأجانب، والمغامرين الأوروبيين، وبعثات التنقيب المشبوهة. لكن خلف هذه الواجهة، كان هناك رجال من “أبناء البلد” يعرفون أسرار الأرض أكثر من أي خبير أجنبي. أحد أبرز هؤلاء، وربما أكثرهم إثارة للجدل، هو “زكي محارب” — الاسم الذي ظل لعقود يهمس به أهالي الأقصر كلما فُقدت قطعة نادرة من وادي الملوك.

نشأة زكي محارب: من حمل الجرار إلى تجارة الملوك
زكي محارب لم يكن عالِم آثار، ولم يحمل شهادة جامعية، لكنه كان يعرف كل شق في أرض طيبة، ويحفظ وجوه الملوك من كثرة ما قلّب تماثيلهم بيديه. وُلد ونشأ في الأقصر، بالقرب من معابد الكرنك ووادي الملوك، في زمن كانت فيه القرى تطفو فوق مقابر الفراعنة. هناك، تعلم الطفل الفلاح أن لكل حجر تحت قدميه قيمة، ولكل قبر مهجور زبون ينتظر من وراء البحر.
بدأ زكي مشواره حاملاً جرار الماء للبعثات الأجنبية، ثم سريعاً ما صار يعرف الفرق بين كسر الفخار العادي، وقطعة أثرية تساوي ثروة. وبدلاً من أن يكتفي بالمشاهدة، دخل اللعبة من بابها الواسع: أصبح وسيطاً غير رسمي بين باعة الآثار المحليين وجامعي التحف الأجانب. وسرعان ما توسّع نشاطه ليشمل كبار القناصل والسفراء، وحتى رجال دين غربيين اعتادوا شحن القطع المسروقة في صناديق كتب أو أدوات ترميم.
اقرأ أيضاً: قصة “مصطفى آغا” قنصل بريطانيا الذي تحول لأكبر ناهب للآثار في الأقصر
نشاط دولي وشبكة علاقات واسعة
في أزقة الأقصر، كانت حكاياته تتداول همساً: “ده اللي خبّى مومياء تحت السرير سنتين!”، أو “باع نص تمثال رمسيس في مزاد بلندن!”، وكان بيته، بحسب ما يرويه كبار السن، يحتوي على مخزن سري تحت الأرض لحفظ الكنوز قبل تهريبها. ولأنه لم يكن مجرد لص، بل تاجر بارع، فقد احتفظ بعلاقات وثيقة مع كبار المسؤولين، وباع قطعاً نادرة لمتاحف كبرى.
وثّقت بعض الصحف والمصادر الأجنبية نشاط زكي محارب. ففي عام 1901م، نشرت جريدة “اللاتست إيجيبت” تقريراً عن سرقة في وادي الملكات، وقالت إن “الأهالي يتهمون رجلاً اسمه محارب”. كما أشار الباحث البريطاني “إميل بريج” إلى أن بعض الوسطاء المحليين، مثل زكي محارب، كانوا أخطر من لصوص المقابر أنفسهم، لأنهم يملكون الخبرة والمكانة والنفوذ المحلي.
التهريب لصالح الأجانب: “هدية من محارب”
تحول زكي محارب مع الوقت إلى رأس شبكة عائلية متكاملة، تضم أبناءً وأصهاراً ووسطاء يعرفون كل شق وكل حجر في المعابد والمقابر. ويُقال إن بعض البعثات الأثرية استعانت به للوصول إلى مقابر غير مكتشفة، مقابل تسهيلات وقطع خاصة.
ومن أشهر القطع التي يُعتقد أنها مرت بين يدي زكي محارب، تمثال نادر للإله “بس” من الألباستر، استقر لاحقاً في متحف اللوفر. وهناك مومياء مقطوعة الرأس وصلت إلى مارسيليا، وسُجّلت في الجمارك الفرنسية باسم “تاجر من الأقصر”. كما ظهر في مزاد بلندن عام 1913م تابوت صغير لطفل فرعوني، أرفق بورقة مكتوب عليها: “هدية من محارب”.
لكن تلك المجد والسرية لم تدم. مع بداية القرن العشرين، بدأت الحكومة المصرية في فرض قيود صارمة على تجارة الآثار. لاحقت مصلحة الآثار التجار غير المرخصين، وبدأت تضييق الخناق على السوق السوداء. وعلى الرغم من ذلك، ظل اسم زكي محارب حاضراً، بل واصل أبناؤه وأحفاده العمل في المجال، وإن بطرق أكثر حذراً.
تركة ثقيلة وآلاف القطع المفقودة
بعد وفاة زكي محارب عام 1978م، فوجئت الجهات الرسمية بحجم التركة الأثرية التي تركها خلفه: أكثر من 28 ألف قطعة أثرية، و2000 مومياء آدمية وحيوانية، إضافة إلى مئات العناصر المعمارية القديمة، تم تسجيلها في عشرة كشوف حصر رسمية.
لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد. ففي عام 1993م، ضُبط نادر زكي محارب – أحد أبنائه – يبيع آثاراً بأحد فنادق الأقصر، فتم تفتيش منزله، وتبين وجود أكثر من 33 ألف قطعة، منها 15 ألف قطعة غير مسجلة، بينما فُقدت آلاف أخرى لا يعلم أحد مصيرها حتى اليوم. ورغم محاولات لاحقة من الأسرة لإهداء ما تبقى للدولة، إلا أن الفحص كشف أن الإهداء لم يشمل سوى جزء يسير، بينما تبقى أكثر من 30 ألف قطعة مفقودة أو مجهولة المصير.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل كان زكي محارب مجرد لص آثار؟ أم أنه كان ابناً لعصرٍ ترك الأرض لأهلها، دون حماية أو رقابة؟ هل نحاكمه بمعايير اليوم؟ أم نفهمه في سياق زمنه؟ ربما كان الاثنان معاً… لصّاً بعيون الغرباء، وبطلاً شعبياً في عيون جيرانه، وتاجراً ماهراً فهم قيمة ما تحت التراب، قبل أن تفهمه الدولة نفسها.
للمزيد من المعلومات حول تاريخ استرداد الآثار والجهود الدولية، يمكنكم زيارة الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار المصرية.


