زلزال في “الكون”: تحليل ليلة سقوط أسود الأطلس أمام السنغال.. أين الخلل؟
تحليل خسارة المغرب أمام السنغال: أسباب سقوط أسود الأطلس في الكان

صدمة لم تكن في الحسبان
استيقظ الشارع الرياضي العربي والأفريقي على واحدة من أكبر مفاجآت بطولة كأس الأمم الأفريقية، حيث ودع المنتخب المغربي، المرشح الأول للقب وصاحب الإنجاز المونديالي التاريخي، البطولة أمام نظيره السنغالي. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت معركة تكتيكية كبرى تفوقت فيها “أسود التيرانجا” على “أسود الأطلس”. في هذا المقال، سنغوص في أعماق المباراة لنحلل لماذا انكسر الدرع المغربي أمام القوة السنغالية؟
أولاً: قراءة في تشكيل الفريقين والنهج التكتيكي
دخل وليد الركراكي المباراة بالرسم التكتيكي المعتاد $4-3-3$، معتمداً على الاستحواذ والبناء من الخلف، معولاً على مهارات حكيم زياش وتحركات أشرف حكيمي على الأطراف. في المقابل، لعب أليو سيسيه مدرب السنغال بخطة $4-2-3-1$ بصبغة دفاعية محكمة، مع الاعتماد على التحولات السريعة مستغلاً سرعة ساديو ماني وقوة نيكولاس جاكسون.
الخلل المغربي في البداية:
كان واضحاً منذ الدقائق الأولى أن المنتخب المغربي يعاني من “البطء في التحضير”. الاستحواذ كان سلبياً في مناطق لا تشكل خطورة على المرمى السنغالي، مما سمح للمنافس بإغلاق كل زوايا التمرير (Passing Lanes) على سفيان أمرابط، محرك الوسط المغربي.
ثانياً: معركة وسط الملعب.. كيف خنق السنغاليون “أمرابط”؟
تعتبر منطقة وسط الملعب هي “غرفة العمليات” في فكر الركراكي. لكن في هذه المباراة، وضع أليو سيسيه رقابة لصيقة “رجل لرجل” على سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي. هذا الضغط العالي (High Press) حرم المغرب من ميزة التمريرات الطولية خلف المدافعين.
عندما يفقد المنتخب المغربي القدرة على التدرج بالكرة من الوسط، يضطر للجوء للأطراف، وهنا كانت المفاجأة؛ السنغال لعبت بـ “أظهرة وهمية” تلتزم بالدفاع ولا تتقدم إلا في الضرورة القصوى، مما جعل زياش وبوفال (أو بديله) في حالة حصار دائم بين خط التماس وقلب الدفاع.
ثالثاً: نقاط التحول.. اللحظات التي قصمت ظهر الأسود
لا يمكن تحليل الخسارة دون الوقوف عند لحظات فارقة في المباراة:
-
إهدار الفرص المبكرة: أضاع الهجوم المغربي فرصتين محققتين في الشوط الأول، وفي مثل هذه المباريات الكبرى، “من يضيع يقبل الأهداف”.
-
الهجمات المرتدة السنغالية: هدف السنغال الأول جاء من خطأ في التمركز الدفاعي أثناء اندفاع المغرب للهجوم. استغل ماني المساحة خلف حكيمي ومرر كرة عرضية حاسمة.
-
انهيار اللياقة البدنية: ظهر الإجهاد على لاعبي المغرب في الربع الأخير من المباراة، وهو ما أثار تساؤلات حول عملية تدوير اللاعبين (Rotation) خلال دور المجموعات.
رابعاً: وليد الركراكي.. هل خانته الحسابات؟
يتحمل المدرب دائماً الجزء الأكبر من المسؤولية. الركراكي الذي أبهر العالم في قطر، بدا في هذه المباراة “متحفظاً زيادة عن اللزوم” في بعض الفترات، ومندفعاً بشكل غير مدروس في فترات أخرى.
-
تأخر التبديلات: تأخر الركراكي في ضخ دماء جديدة في خط الوسط، خاصة مع تراجع مردود أوناحي البدني.
-
العجز عن تغيير الخطة: عندما أغلقت السنغال الأطراف، لم نجد حلولاً من العمق أو محاولات للتسديد من خارج منطقة الجزاء بشكل مكثف.
خامساً: القوة السنغالية.. الانضباط الذي هزم الموهبة
يجب أن نعطي السنغال حقها؛ فقد قدموا مباراة تكتيكية مثالية. الانضباط الدفاعي لأسود التيرانجا كان مذهلاً. لم يتركوا مساحة تزيد عن 10 أمتار بين خط الدفاع ووسط الملعب، مما جعل لاعبي المغرب يشعرون بالاختناق. كوليبالي في الدفاع كان سداً منيعاً، وقام بتعطيل المهاجم النصيري تماماً، ومنعه من الارتقاءات الرأسية التي يتميز بها.
سادساً: الدروس المستفادة.. ماذا بعد الخروج المر؟
خسارة المغرب أمام السنغال ليست نهاية العالم، لكنها جرس إنذار قوي. الكرة الأفريقية تطورت، والاعتماد على الإنجازات السابقة لم يعد كافياً.
-
الحاجة لمهاجم “قناص” بمواصفات مختلفة: أثبتت المباراة أن المغرب يحتاج لمهاجم يستطيع خلق الفرص لنفسه عندما تتعطل الأطراف.
-
تطوير اللعب تحت الضغط العالي: يجب تدريب لاعبي الوسط على الخروج بالكرة تحت ضغط بدني عنيف، وهو ما يتميز به لاعبو غرب أفريقيا.
سابعاً: ردود الفعل الجماهيرية والإعلامية
سادت حالة من الحزن الشديد في الشارع المغربي، فالطموحات كانت تعانق السماء. الإعلام المغربي انقسم بين مؤيد لبقاء الركراكي لبناء مشروع طويل الأمد، وبين من يطالب بتغييرات جذرية في العقلية الفنية للتعامل مع المنتخبات الأفريقية القوية بدنياً.
الأسود تمرض ولا تموت
في الختام، مباراة المغرب والسنغال ستظل محفورة في الذاكرة كدرس قاسي في كرة القدم الأفريقية. السنغال استغلت أنصاف الفرص وآمنت بحظوظها، والمغرب دفع ثمن إضاعة الفرص وعدم القراءة الجيدة لأسلوب لعب الخصم. لكن المؤكد أن أسود الأطلس يمتلكون الجودة والقدرة على العودة من جديد، شريطة الاستفادة من هذه الأخطاء ومعالجتها قبل الاستحقاقات القادمة.
كرة القدم تعطي من يعطيها، وفي تلك الليلة، كانت السنغال هي الأكثر واقعية واستحقاقاً للتأهل.



