كتب: د. قاسم زكي
عضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
موريس نحمان تعد قصة نهب الآثار المصرية فصلاً طويلاً ومؤلماً من تاريخ مصر الحديث، وفي مطلع القرن العشرين، وبينما كانت البلاد تتخبط بين قيود الاحتلال البريطاني ومشاريع النهضة الوطنية المتعثرة، كانت هناك معركة أخرى صامتة تدور في الخفاء… معركة على الهوية والكنوز. في قلب القاهرة القديمة، وتحديدًا في حي “باب اللوق” العريق، برز اسم موريس نحمان (Maurice Nahman)، ذلك التاجر الذي حول شغفه بالجمال إلى إمبراطورية لتجارة التاريخ، حتى صار متجره الأنيق البوابة الملكية التي عبرت منها مئات القطع الأثرية الفرعونية النادرة لتستقر في صالات العرض الأوروبية والأمريكية.

النشأة والتحول: من أروقة البنوك إلى دهاليز الآثار
ولد موريس نحمان في القاهرة عام 1868م، لأسرة يهودية ذات أصول يونانية استوطنت مصر. نشأ في بيئة كوزموبوليتانية، فتلقى تعليماً رفيعاً أتاح له إتقان الفرنسية والإنجليزية ببراعة. بدأ حياته المهنية في القطاع المصرفي، وتحديداً في بنك “كريدي فونسييه”، وتدرج في المناصب حتى وصل إلى منصب رئيس الصرافين. إلا أن نداء التاريخ كان أقوى من لغة الأرقام؛ ففي عام 1924م، قرر نحمان الاستقالة ليتفرغ تماماً لهوايته التي تحولت إلى مهنة: تجارة الآثار.
افتتح نحمان معرضه الشهير في “شارع المدابغ” (شارع شريف حاليًا) وسط القاهرة. لم يكن مجرد دكان لبيع التحف، بل كان صالة عرض فنية تضاهي أرقى صالات باريس ولندن، بأرضيات رخامية وأرفف زجاجية مصممة بعناية لتعرض تماثيل، أوانٍ، وأقنعة فرعونية، مما جعله مقصداً لنخبة علماء الآثار وجامعي المقتنيات حول العالم الذين كانوا يبحثون عن “القطع الأصلية” الموثوقة.
عبقرية “العين الخبيرة” ودوره في التأسيس المتحفي
تميز نحمان بامتلاكه “عيناً خبيرة” لا تخطئ في التمييز بين القطع الأصلية والمقلدة، وهو ما منحه تقديراً خاصاً في الدوائر العلمية. لم يكتفِ بالآثار الفرعونية، بل كان من الرواد الذين أدركوا قيمة الآثار القبطية والإسلامية في وقت كان العالم فيه مهووساً بالفراعنة فقط. وبفضل مبيعاته، تأسست أقسام كاملة في متاحف عالمية كبرى لم تكن تملك أدنى تصور عن قيمة الفن الإسلامي أو القبطي المصري.
وصفه عالم المصريات البلجيكي الشهير “جان كابارت” (Jean Capart)، مؤسس علم المصريات في بلجيكا، بأنه “أعظم تاجر آثار مصرية في العالم”. هذه الشهادة لم تكن مجاملة، بل تعبيراً عن حجم القطع النادرة التي كانت تمر عبر يديه. ورغم هذه المكانة، تظل شخصية نحمان مغلفة بالغموض؛ فلا توجد دراسات مفصلة عنه، وحتى أرشيف متحف المتروبوليتان للفنون يخلو من مراسلات موثقة تكشف أسرار صفقاته الكبرى، مما يثير تساؤلات حول طبيعة تلك العلاقات.
شبكات الظل وقانون الآثار القديم
خلف هذه الواجهة الراقية، كانت تُدار واحدة من أوسع شبكات تداول الآثار. استغل نحمان بذكاء قانون الآثار لعام 1912م، الذي كان يسمح للبعثات الأجنبية بالاحتفاظ بجزء من مكتشفاتها. كان يشتري من هذه البعثات، ومن الفلاحين الذين يعثرون على كنوز في أراضيهم بالصدفة، وحتى من بعض الموظفين في دوائر الآثار. كان متجره بمثابة “البورصة العالمية” للآثار المصرية، حيث يلتقي السفراء والأثرياء والمسؤولون بعيداً عن أعين الرقابة الصارمة.
اليوم، تفخر متاحف العالم بقطع خرجت من صالة نحمان، مثل تمثال “ويليام فرس النهر” في المتروبوليتان، وقطع أخرى في المتحف البريطاني واللوفر. ورغم ذلك، لم ينسَ نحمان “تجميل” صورته أمام السلطات المصرية، حيث تبرع في الثلاثينيات بعشرات القطع لمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة، شملت نسيجاً قبطياً ونقوشاً مملوكية وفاطمية نادرة.
النهاية والإرث المثير للجدل
في عام 1937م، حاول نحمان غزو السوق اللندنية بمزاد في دار “كريستيز”، لكن الرياح لم تأتِ بما اشتهت سفنه بسبب انتشار القطع المزورة آنذاك. ومع اقتراب نذر الحرب العالمية الثانية، بدأ نشاطه يتقلص تدريجياً حتى وفاته في القاهرة في 18 مارس 1948م. بعد رحيله، بيعت مجموعته المتبقية في مزادات عام 1953م، لتبدأ رحلة شتات جديدة لما تبقى من كنوزه.
اليوم، ومع تصاعد المطالبات الدولية بضرورة استرداد الآثار المصرية المنهوبة، يُعاد فتح ملف موريس نحمان. هل كان مجرد تاجر نابغ خدم العلم بتوثيق القطع وحفظها؟ أم كان أحد أكبر سماسرة “النهب الثقافي المنظم” الذي حرم مصر من كنوزها؟ يظل السؤال معلقاً بين جدران المتاحف العالمية التي تعرض تماثيل صامتة، لكنها تشهد على حقبة كان فيها تاريخ الأمم يُباع ويُشترى في مزادات القاهرة القديمة.



