حضارة وتاريخ

حفناوي الشاعر وأول ترخيص رسمي لتجارة الآثار في مصر الحديثة

(أشهر لصوص الآثار المصرية ٢٩)

كتب:د.قاسم زكي

عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

في زوايا التاريخ المنسيّ، وعلى حافة هضبة الأهرام، حيث يعلو هدير السياح على أنين الرمال، عاش رجل يُدعى حفناوي الشاعر، لا يحمل لقبًا أكاديميًا، ولا صفةً رسمية، لكنه كان أحد أشهر من “همسوا” بأسرار الفراعنة للسياح، لا من خلف أبواب المتاحف، بل من داخل بيوت البسطاء في نزلة السمان، تلك القرية التي التصق اسمها لسنوات بملف الآثار وبيعها وتهريبها.

حفناوي الشاعر
محل حفناوي الشاعر – رخصة رقم 1 لتجارة الآثار

نشأة حفناوي الشاعر:

ولد حفناوي في النصف الأول من القرن العشرين، في بيئة ريفية تحوّلت تدريجيًا إلى نقطة التقاء بين التاريخ والتجارة. لم يكن شيخًا بالمعنى الديني أو الرسمي، بل شيخًا بالمكانة الاجتماعية في قريته، التي صارت مع الوقت ممرًا خلفيًا للكنوز الفرعونية. كان يملك لسانًا فصيحًا، وقلبًا جريئًا، ومخزنًا من الحكايات يرويها كما تُروى الأساطير. لكنه لم يكتفِ بالحكايات، بل أصبح حلقة وصل بين “أصحاب الأسرار” من المنقبين غير الشرعيين، وأثرياء الغرب المتعطشين لكل ما له رائحة مصر القديمة.

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت نزلة السمان تعجّ بالحياة، لكنها كانت تعجّ أيضًا بشيء آخر: الكنوز المدفونة تحت البيوت، وفي الحقول، وبين الجدران. كان الناس ينظرون إلى الأرض لا كتراب، بل كمخزن لثروات قابلة للحفر والبيع. وبين هؤلاء، لمع اسم حفناوي، لا كمنقّب فقط، بل كمفاوض، ومُرشد، دليل، ووسيط، و”راوي خرافة” يصنع من كل قطعة حجر قصة تشدّ السائح قبل أن يدفع ثمنها.

حفناوي وأول رخصة لتجارة الآثار في مصر:

ولعل ما يميّز حفناوي الشاعر عن غيره من أبناء جيله، أنه لم يكن مجرّد “همس في الخفاء”، بل سعى في لحظة ما إلى إضفاء طابع قانوني على نشاطه، فكان من أوائل من حصلوا على رخصة رسمية لتجارة الآثار، (رخصة رقم 1، محل بيع أثار حفناوي الشاعر تاجر أثار في23 ديسمبر 1963م وكان مصرح ببيع الآثار المكررة حتي إلغاء بيع الآثار في سنة 1985 وتجريم الاتجار بها).

كان يتردد علي محل حفناوى هواة الاقتناء من المصريين والأجانب، ويعرض فيه القطع الصغيرة “المسموح بتداولها” آنذاك. وقد شكّل ذلك غطاءً قانونيًا لبعض أنشطته، وفتح له الأبواب للتواصل العلني مع شخصيات مرموقة وسفراء وزوار مهمّين، في مرحلة كانت فيها تجارة الآثار “المُرخصة” مزيجًا من الشرعية والضبابية، وهو ما يوضحه الموقع الرسمي لـ وزارة السياحة والآثار المصرية حول تطور قوانين حماية التراث.

يقال إنه لم يحمل بيده فأسًا يومًا، لكنه كان يعرف متى وأين تُجرى الحفائر غير الشرعية، وكان صوته يصل إلى السفارات، وإلى سماسرة لندن ونيويورك وباريس. لم يظهر في صور صحف أجنبية، ولم يُقبض عليه، ولم يُحاكم، لكنه كان حاضرًا في كل الحكايات التي رواها سكان المنطقة فيما بعد. كان “يبيع التاريخ بالهمس”، كما يقول أحد أبناء القرية، أي دون وثائق، ودون ضجيج، ودون شبهة. يُخبرك أن التمثال أصلي، وأنه وُجد في فناء بيت قريب، وأنك إن دفعت “ثمنه الحقيقي”، فلن يعرف أحد بوجوده إلا أنت وهو.

تقول روايات محلية إنه كان يعرف اللغة الإيطالية، وبعضًا من الفرنسية، وتعلم الإنجليزية من كثرة مخالطته للزوار. ولم يكن حفناوي وحده من امتهن هذا الدور، لكنه كان الأبرز، وربما الأذكى. فقد احتفظ دومًا بصورة الشيخ العارف، لا اللص الباحث عن الربح. وقد برع في رسم صورة الأسطورة حول نفسه، فصار الناس يتعاملون معه كـ”مفتاح سري” لأبواب مغلقة من زمن الفراعنة. إن ملف “نهب الآثار” الذي تتابعه الدليل نيوز بعناية، يبرز كيف كان حفناوي لاعباً أساسياً في هذا العالم السفلي.

ورغم تاريخه الملتبس، لم يكن حفناوي مكروهًا في قريته. على العكس، كان يحظى باحترام من نوع خاص، أشبه باحترام الناس لمن يملك السر، ولو لم يفصح به. وقد عرف كيف يوزع الهبات، ويكسب الصغار، ويتعامل بندية مع الكبار. وسرعان ما تحول منزله إلى نقطة جذب للسماسرة والمتخصصين والمغامرين، وحتى لعدد من الأثرياء العرب الذين زاروا الأهرامات لا ليروا الحجر، بل ليحصلوا على قطعة منه! ومن المفارقات أن حفناوي لم يترك خلفه ثروة ضخمة، رغم ما مرّ بين يديه من مال وذهب وأنتيكات. فقد كان يصرف ببذخ، وينفق على وليَمات ومجالس لا تهدأ.

ويقال إن آخر أيامه كانت هادئة، بلا تحقيقات، ولا فضائح، لكنه عاش بعزلة نسبية بعد أن تغيّر العالم، وتغيرت طرق التهريب، وجاءت قوانين أكثر صرامة، وانتقلت تجارة الآثار من الأيدي إلى الإنترنت، ومن همسات المجالس إلى مزادات العلن. في سيرته ما يثير الغضب، لكنه يثير أيضًا الشجن. فالرجل لم يكن يسرق فقط تمثالًا أو قطعة من حجر، بل كان يسرق من مصر ذاكرتها المادية، ويبيعها بالقطعة لمن يدفع. لكنه، في الوقت ذاته، كان ابن بيئة لم تُوفر له ولا لغيره من أبناء نزلة السمان طريقًا آخر. عاشوا بجوار الهرم لكنهم لم يملكوه، رأوا السياح ينهلون من عظمة مصر، فقرروا أن يكون لهم نصيب منها… بأي وسيلة.

اليوم، وبعد مرور عقود على وفاته، لا يزال اسمه يتردد على ألسنة من عاصروه، ومن سمعوا عنه. بعضهم يقول: “كان كنزًا من الحكايات”، وآخرون يرونه “خائنًا للآثار”. لكن الحقيقة أن حفناوي الشاعر كان تجسيدًا لمأساة أكبر: مأساة شعب سكن فوق كنوز لا يملك منها شيئًا، فقرر أن يقتات منها سرًا، في صمت، وفي همس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights