تحقيقات و ملفات

“الإتاحة حق للجميع”.. كواليس مبادرة الكراسي المتحركة بمعرض الكتاب 2026

في قلب الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2026، لم تعد “المعرفة” مجرد نصوص بين دفتي كتاب، بل تحولت إلى حق إنساني متاح للجميع بفضل إرادة سياسية ومجتمعية تؤمن بأن الثقافة لا تعرف الحواجز. إن توفير الكراسي المتحركة والخدمات اللوجستية لكبار السن وذوي الهمم لم يعد مجرد “خدمة إضافية”، بل أصبح ركيزة أساسية في بناء مجتمع تضامني، وهو ما ترصده الدليل نيوز في هذا التحقيق الموسع حول كواليس دمج كافة فئات المجتمع في الحياة الثقافية.

تعاون الهلال الأحمر والمجلس القومي

لا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن التعاون الاستراتيجي بين مؤسسات الدولة؛ حيث أعلنت إدارة المعرض عن منظومة متكاملة لتوفير الكراسي المتحركة بالتنسيق مع الهلال الأحمر المصري، وبمشاركة فاعلة من متطوعي المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة. هذه الشراكة تهدف إلى تذليل كافة العقبات الحركية داخل أروقة المعرض المترامية الأطراف، مما يمكن رواد المعرض من كبار السن وذوي الإعاقة من الاستمتاع بالفعاليات والندوات الفكرية دون عناء. إن مشهد المتطوعين وهم يرافقون الزوار بابتسامة فطرية يعكس الوجه الحضاري لمصر في عام 2026.

 

وتأتي هذه الخطوة مدعومة بتعاون أكاديمي ومجتمعي فريد يجمع بين “جامعة مصر” وإدارة المعرض، حيث تم تدريب عشرات الطلاب والمتطوعين على فنون التعامل مع ذوي الإعاقة، لضمان تقديم المساعدة باحترافية تحفظ خصوصية وكرامة المستفيد. وبحسب التقارير الصادرة عن المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، فإن المعايير الدولية للإتاحة أصبحت مطبقة بنسبة تتجاوز 90% في كافة القاعات والممرات، مما يضع معرض القاهرة الدولي للكتاب في صدارة المحافل الثقافية العالمية الصديقة للبيئة والناس.

من “أنا متطوع” إلى “خُذ بيدي”.. فلسفة العطاء

يرى الخبراء في “الدليل نيوز” أن قوة المبادرة تكمن في تنظيمها؛ حيث يتم توزيع الكراسي المتحركة من خلال تكامل مبادرتي “أنا متطوع” و”خُذ بيدي”. هذا التنسيق يضمن وصول الخدمة لمستحقيها في أسرع وقت ممكن، مع تقديم دعم لوجستي ومعلوماتي طوال فترة التواجد داخل المعرض. إنها منظومة تتجاوز الدعم البدني لتصل إلى الدعم النفسي، حيث يشعر الزائر بأنه جزء أصيل من النسيج الثقافي وليس ضيفاً ثقيلاً. إن الثقافة في عهد “الجمهورية الجديدة” أصبحت حقاً أصيلاً لكل مواطن، وتوفير التسهيلات اللازمة هو التطبيق العملي لهذا الشعار.

كيف تغير مفهوم “الإتاحة” في معرض الكتاب؟

بالعودة بالذاكرة إلى سنوات ما قبل الانتقال لمركز المعارض الجديد، كانت الحركة داخل المعرض تمثل تحدياً كبيراً لذوي الإعاقة نتيجة وعورة المسارات وضيق القاعات. ومع مطلع عام 2026، نجد أن المعرض قد قطع شوطاً طويلاً في تطوير خدماته؛ فالمسألة لم تعد مجرد “كرسي متحرك”، بل شملت توفير لافتات بلغة “برايل” للمكفوفين، ومترجمي لغة إشارة في الندوات الكبرى، ومسارات ممهدة انسيابية. هذا التطور يعكس وعياً متزايداً لدى الدولة المصرية بأن بناء المجتمع يبدأ من دمج كافة أطيافه تحت سقف واحد، سقف الثقافة والتنوير.

 

ووفقاً لما يتابعه موقع الدليل نيوز ميدانياً، فإن الفئات الأولى بالرعاية أبدت ارتياحاً كبيراً لهذه التسهيلات، مؤكدين أن سهولة الحركة شجعتهم على زيارة المعرض أكثر من مرة واصطحاب أفراد أسرهم. إن بناء مجتمع أكثر عدالة وتضامناً يبدأ من مثل هذه التفاصيل الصغيرة التي تصنع فارقاً كبيراً في وجدان المواطن.

رؤية إنسانية شاملة للوصول إلى المعرفة

إن معرض القاهرة الدولي للكتاب، بصفته أكبر تظاهرة ثقافية في المنطقة، يقدم اليوم نموذجاً يحتذى به في المسؤولية الاجتماعية. فالثقافة ليست ترفاً، بل هي المحرك الأساسي للتنمية، وحرمان أي فئة من الوصول إليها هو تعطيل لطاقات المجتمع. ومن هنا، تأتي المبادرات الحالية كرسالة للعالم بأن مصر ماضية في طريقها نحو “الإتاحة الكاملة” ليس فقط في المباني، بل في العقول والقلوب أيضاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights