القبلة… بوصلة الأمة.. ووحدة الاتجاه عبر الزمان
كتب: د. إبراهيم درويش
ليست القبلة في الإسلام مجرد جهةٍ مكانية تُستقبل بالأجساد، ولا علامةً هندسية تُحدَّد بالبوصلة والخرائط، بل هي قبل ذلك وبعده معنى جامع، ورمزٌ عميق لوحدة الأمة، وعنوانٌ للطاعة الواعية، وبوصلةٌ للقلب قبل أن تكون بوصلةً للوجه. ومن هنا جاءت آية تحويل القبلة في سورة البقرة حدثًا استثنائيًا، لم يُسجَّل في كتب التاريخ فحسب، بل خُلِّد في القرآن الكريم، يُتلى إلى يوم القيامة، بما يحمله من دلالات عقدية وتربوية واجتماعية متجددة.
قال تعالى:﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 144].
أولًا: مفهوم القبلة… وحدة الاتجاه ووحدة الهوية
القبلة في أصل معناها اللغوي هي الجهة التي يُقبِل إليها الإنسان بوجهه، وفي الاصطلاح الشرعي هي الجهة التي أمر الله المسلمين بالتوجه إليها في الصلاة. غير أن هذا التعريف — على بساطته — لا يستوعب عمق المعنى؛ فالقبلة ليست شرطًا فقهيًا فحسب، بل مكوِّنًا أساسيًا في تشكيل الهوية الإسلامية.
حين يتوجه ملايين المسلمين، في وقتٍ واحد، إلى قبلة واحدة، فإنهم يعلنون — دون خطاب — أنهم أمة واحدة، مرجعيتها واحدة، وإلهها واحد، وغايتها واحدة. وفي عالمٍ تتشظّى فيه الهويات، وتتنازع فيه الولاءات، تبقى القبلة رسالة يومية صامتة مفادها: نختلف في التفاصيل، لكننا نجتمع على الأصل.
ثانيًا: تحويل القبلة… حدث يتجاوز الزمان
صلّى المسلمون في بداية الأمر نحو بيت المقدس، امتثالًا لأمر الله، رغم تعلق قلوبهم بالكعبة المشرفة، بيت إبراهيم عليه السلام. ثم جاء الأمر الإلهي بتحويل القبلة إلى المسجد الحرام، فكان الحدث مفصليًا في مسيرة الدعوة. لم يكن التحويل استجابة لرغبة بشرية مجردة، بل جاء بعد تهيئةٍ نفسية وتربوية، ليكون امتحانًا صريحًا للطاعة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: 143].
ثالثًا: مشهد إنساني رفيع… تقلب الوجه إلى السماء
في مطلع الآية لفتة قرآنية بالغة الرقة:﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾. إنها صورة لنبيٍّ كريم، يرفع بصره إلى السماء، ينتظر أمر ربه، دون أن ينطق بطلبٍ صريح. فيلتقط الوحي هذا الشوق الصامت، ويُخلِّده قرآنًا. وهنا رسالة عميقة لكل إنسان: الله يرى تقلب القلوب قبل أن يسمع الكلمات، ويعلم ما يختلج في الصدور، ويستجيب في الوقت الذي يقدّره بحكمته.
رابعًا: القبلة والاستقلال الحضاري
جاء الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام ليؤكد استقلال الأمة الإسلامية في عقيدتها وتشريعها، بعيدًا عن الجدل العقيم مع أهل الكتاب أو محاولات التشكيك. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ فالخلاف لم يكن خلاف علم، بل خلاف موقف. والقرآن هنا يقرر حقيقة ثابتة: أن كثيرًا من النزاعات الفكرية لا تُحل بمزيد من الأدلة، لأن المشكلة ليست في غياب الحق، بل في رفضه.
خامسًا: لماذا خُلِّد الحدث في القرآن؟
حين يذكر القرآن حادثة تاريخية، فإنه لا يذكرها للتأريخ، بل للتربية والتوجيه. وتحويل القبلة سُجِّل قرآنًا ليظل درسًا مفتوحًا للأمة، يعلمها أن:الطاعة الحقيقية تظهر عند تغيّر الأوامر لا عند ثباتها.
الثبات على المنهج لا يعني الجمود، بل الانضباط بأمر الله.
التحول قد يكون بداية تمكين، لا علامة اضطراب.
سادسًا: القبلة في واقعنا المعاصر
في زمننا الحاضر، لم تعد القبلة مجرد اتجاه صلاة، بل تحولت إلى سؤال حضاري: ما هي وجهتنا؟ ومن نُقلِّد؟ وإلى أي قيمٍ ننتمي؟ لقد كثرت “القبَل” الفكرية والإعلامية والسياسية، وتفرّق الناس بين نماذج مستوردة، حتى بات كثيرون يصلّون إلى الكعبة، لكنهم يعيشون بوجهٍ متجهٍ إلى غيرها. وهنا تستعيد آية القبلة معناها المعاصر: لا استقامة في العبادة دون استقامة في الاتجاه العام للحياة.
سابعًا: دروس اجتماعية وتربوية
من تحويل القبلة نتعلم: وحدة الاتجاه تصنع وحدة الصف: فالمجتمعات لا تنهض بتعدد الوجهات، بل باتفاقها على مرجعية عليا. وأن الطاعة الواعية أساس الاستقرار النفسي: من عرف مرجعيته، استراح من الحيرة. كما أن التحول ليس ضعفًا إذا كان استجابةً للحق. والهوية لا تُبنى بالرفض فقط، بل بإثبات الذات والتمسك بالأصول.
ثامنًا: قبلة القلب قبل قبلة المكان
أخطر ما يواجه الإنسان أن تختل قبلة قلبه، فيتجه إلى المال، أو الشهرة، أو السلطة، أو رضا الناس. وحينها يصبح اضطراب الاتجاه الداخلي أشد أثرًا من أي انحراف خارجي. فالقرآن، حين حدّد قبلة الصلاة، إنما أراد أن يعلّمنا كيف نُحدِّد قبلة الحياة.
ختامًا
القبلة ليست حجرًا يُستقبل، بل عهدًا يُجدَّد. وليست مجرد اتجاه في الصلاة، بل إعلان دائم أن لهذه الأمة مركزًا ثابتًا، ومرجعية واضحة، مهما اضطرب العالم من حولها. وقد أراد الله لآية تحويل القبلة أن تبقى حيّة، تذكّرنا بأن من صحّ اتجاهه، استقام طريقه، ومن ثبت على قبلة الحق، لم تضلّه تقلبات الأيام.. اللهم كما وحَّدت وجوهنا إلى بيتك، وحِّد قلوبنا على طاعتك، وثبّتنا على الحق، واجعل لنا من كل حيرة بصيرة، ومن كل تفرّق وحدة، واهدِنا سواء السبيل.




