مشاركة القومي لحقوق الإنسان في اجتماع الكاميرون
في خطوة تعكس الريادة المصرية داخل القارة السمراء مع مطلع عام 2026، وتؤكد على محورية الدور الذي يلعبه المجلس القومي لحقوق الإنسان في صياغة السياسات الحقوقية الإقليمية، شهدت العاصمة الكاميرونية “ياوندي” حراكاً دبلوماسياً وحقوقياً واسعاً. هذا التحرك لا يقتصر فقط على تمثيل الدولة المصرية، بل يمتد ليشمل صياغة مستقبل الحقوق والحريات في قارة تواجه تحديات وجودية تتراوح بين التغير المناخي والتحول الرقمي المتسارع. إن مشاركة مصر في هذا المحفل تأتي في وقت يسعى فيه “النظام الأفريقي لحقوق الإنسان” إلى إيجاد آليات أكثر مرونة وقوة لمواجهة التدخلات السياسية وتعزيز استقلالية المؤسسات الوطنية، وهو ما يجعل من “خارطة طريق ياوندي” وثيقة تاريخية للأجيال القادمة.
مصر تقود صياغة الاستراتيجية الأفريقية الكبرى 2026 – 2030
شارك السفير محمود كارم، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، وأسماء فوزي، عضو الأمانة العامة بالمجلس، في أعمال اجتماع الجمعية العامة للشبكة المؤسسات الوطنية الأفريقية لحقوق الإنسان، المنعقد أمس الأربعاء 4 فبراير 2026 بمدينة ياوندي بالكاميرون. الهدف الرئيسي لهذا الاجتماع الرفيع كان اعتماد الخطة الاستراتيجية لعمل الشبكة للأعوام 2026 – 2030، والتي تهدف لتمكين المؤسسات الوطنية من القيام بدورها كجهات فاعلة وذات مصداقية لحماية وتعزيز حقوق الإنسان. إن هذه المشاركة المصرية القوية، التي يرصدها موقع الدليل نيوز، تبرهن على استعادة مصر لزمام المبادرة في الملفات الحقوقية القارية، وربطها بالأجندة الدولية للتنمية المستدامة.

وتناول الاجتماع مراجعة واعتماد مقترح الخطة الاستراتيجية، ومراجعة ميزانية خطة عمل عام 2026، بالإضافة إلى عرض تقارير نشاط مجموعات العمل المعنية بالتنمية المستدامة والهجرة. كما شهدت الجلسات انتخاب قيادة شبكة المؤسسات الوطنية الأفريقية لحقوق الإنسان (اللجنة التوجيهية) ضمن مجموعات العمل الفرعية الإقليمية، وانتخاب ممثلي الشبكة في أجهزة ومجموعات عمل التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان (GANHRI). هذه الخطوات التنظيمية تضمن لمصر صوتاً مسموعاً في المحافل الدولية، وتساهم في نقل التجربة المصرية في بناء المؤسسات الوطنية إلى الأشقاء الأفارقة.
مبادئ باريس: الحصن القانوني للولاية الدستورية للشبكة
تقدم شبكة المؤسسات الوطنية الأفريقية لحقوق الإنسان (NANHRI) خطتها الاستراتيجية للأعوام 2026–2030 كخريطة طريق تحولية وقائمة على السياسات، تهدف إلى تعزيز قدرات المؤسسات الوطنية في أفريقيا، ودعم استقلاليتها وأهميتها الاستراتيجية. واستندت هذه الخطة بشكل أساسي إلى “مبادئ باريس” والولاية الدستورية للشبكة، وتسترشد برؤية تتمثل في “أفريقيا عادلة وشاملة تُحترم فيها حقوق الإنسان على نطاق عالمي”.
تُعد هذه الخطة الاستراتيجية في جوهرها استجابة للتحديات القائمة والمستجدة في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك الهشاشة المؤسسية، والتدخل السياسي، وتغير المناخ، والمراقبة الرقمية، وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية. إن ذكر “المراقبة الرقمية” و”تغير المناخ” كأولويات حقوقية في 2026 يعكس وعياً جديداً بمتطلبات العصر الرقمي، حيث أصبحت الخصوصية والحق في بيئة نظيفة جزءاً لا يتجزأ من الكرامة الإنسانية التي تسعى الشبكة لحمايتها عبر قارات العالم السبع، انطلاقاً من العمق الأفريقي.
الأهداف الأربعة: خارطة الطريق نحو “أفريقيا التي نريدها”
وتمحورت الخطة الاستراتيجية التي شاركت مصر في صياغتها حول أربعة أهداف مترابطة:
1. إنشاء وتعزيز القدرات: التركيز على استقلالية وفعالية المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان لمواجهة الضغوط.
2. الاستجابة للتحديات العالمية: حماية حقوق الإنسان من آثار التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والمستجدات الإقليمية.
3. كسب التأييد والظهور: تطوير البحوث والتعاون لتعزيز شرعية وتأثير المؤسسات الأفريقية دولياً.
4. حوكمة الشبكة: تعزيز الكفاءة التشغيلية والاستدامة المالية لضمان استمرار العمل الحقوقي بعيداً عن المنح المشروطة.
ولتحقيق هذه الأهداف، تواءم الاستراتيجية بين الأولويات المؤسسية والابتكار التكنولوجي، والبرمجة القائمة على البيانات، والشراكات الديناميكية. وسيتم توجيه التنفيذ من خلال خطط عمل سنوية متسقة وإطار نتائج قوي، تكمله عمليات رصد آنية، ومراجعات نصف سنوية، وتقييمات إجمالية. وتضمن آليات المساءلة هذه بقاء الاستراتيجية مرنة، ومؤثرة، ومستجيبة للمشهد الحقوقي المتطور في القارة، وهو ما يتماشى مع “رؤية مصر 2030” في تطوير الأداء الحكومي والحقوقي.
التوقعات المستقبلية: حقوق الإنسان كمحرك للاقتصاد الأفريقي
بالنظر إلى عام 2026، نجد أن ربط حقوق الإنسان بالتنمية المستدامة والهجرة لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة اقتصادية. فالاستقرار الحقوقي هو الجاذب الأكبر للاستثمارات الأجنبية المباشرة. ومن المتوقع أن تساهم هذه الخطة الاستراتيجية في تقليل النزاعات المسلحة وتحسين ظروف العمالة الأفريقية، مما ينعكس إيجاباً على الناتج المحلي الإجمالي للقارة. مصر، من خلال السفير محمود كارم، أكدت مجدداً على دور الشبكة القيادي في تعزيز العدالة والمساءلة، مما يضعها كفاعل إقليمي محوري في بناء أفريقيا أكثر إنصافاً.
إن “الدليل نيوز” يرى في هذا الاجتماع بياوندي بداية لنهاية عصر “التهميش الحقوقي الأفريقي”، وانتقالاً حقيقياً نحو فرض المعايير الأفريقية في العدالة والكرامة الإنسانية على الأجندة الدولية. فالمستقبل ينتمي للدول والمؤسسات التي تستثمر في “الإنسان” أولاً، وهو ما تفعله الشبكة الأفريقية اليوم بدعم مصري كامل، لضمان أفريقيا تُحترم فيها الحقوق على نطاق عالمي شامل.




