حضارة وتاريخ

أندراوس والآثار المصرية.. نفوذ العائلات في الظل

(أشهر لصوص الآثار المصرية ٣١)

كتب: د.قاسم زكي

عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

في قلب مدينة الأقصر، حيث تتجاور المعابد الفرعونية مع بقايا العصور اللاحقة، تشكّلت عبر الزمن شبكة معقدة من العلاقات بين التاريخ، والسلطة الاجتماعية، والملكية الخاصة. وفي هذا السياق برز اسم عائلة أندراوس بوصفها واحدة من العائلات التي امتلكت حضورًا سياسيًا واجتماعيًا لافتًا خلال النصف الأول من القرن العشرين، في مرحلة اتسمت بضعف الإطار القانوني المنظم للتعامل مع الآثار، وتداخل المفاهيم بين الاقتناء الشخصي والإرث الحضاري العام.
لا تنبع أهمية دراسة هذه العائلة من السعي إلى إصدار أحكام أخلاقية متأخرة، وإنما من كونها نموذجًا يعكس طبيعة العلاقة غير المحسومة آنذاك بين النخب والآثار المصرية، في زمن لم تكن فيه الدولة قد بلورت بعد مفهوم السيادة الكاملة على ممتلكاتها الأثرية.

كبير العائلة والبيئة التاريخية المحيطة بالآثار

يُعد واصف أندراوس باشا أحد أبرز شخصيات العائلة، حيث شغل مواقع سياسية واجتماعية بارزة، وكان من أعيان الصعيد المعروفين. وتشير عدد من الدراسات التاريخية والروايات المعاصرة لتلك المرحلة إلى أن بعض النخب الثرية، ومن بينها عائلة أندراوس، كانت تتعامل مع الآثار في إطار اجتماعي سائد لم يكن يجرّم بوضوح الحيازة الخاصة أو تبادل القطع الأثرية، خاصة قبل صدور التشريعات المنظمة في العقود اللاحقة.
وقد أتاح هذا الغموض التشريعي بيئة ملتبسة، أصبح فيها التمييز بين الاقتناء المشروع والتداول غير المنظم مسألة خاضعة للتأويل، لا سيما في ظل غياب أجهزة رقابية فعالة في جنوب مصر آنذاك.

قصر أندراوس… بين الرمزية الاجتماعية والروايات المتداولة

شُيّد قصر أندراوس في موقع لافت بالأقصر، ما جعله رمزًا للمكانة الاجتماعية للعائلة أكثر من كونه مجرد مقر سكني. ومع مرور الزمن، نسجت الذاكرة المحلية حول القصر روايات متباينة، من بينها روايات تشير إلى ارتباطه بحفظ مقتنيات أثرية، سواء بدافع الاقتناء أو الحماية أو غير ذلك من التفسيرات التي لم تُحسم رسميًا.
ولا توجد وثائق قاطعة تؤكد طبيعة هذه المقتنيات أو مصيرها، غير أن تداول هذه الروايات يعكس حجم الالتباس الذي أحاط بعلاقة القصور الخاصة بالآثار، في مرحلة لم تكن الحدود القانونية واضحة بين الخاص والعام.

أندراوس والآثار المصرية: نفوذ العائلات في الظل
 نفوذ العائلات في الظل وكواليس “قصر الأسرار” بالأقصر

العلاقات مع البعثات الأجنبية: تعاون أم تداخل مصالح؟

ارتبطت عائلات صعيدية عدة بعلاقات مع بعثات تنقيب أوروبية، وكان يُنظر إلى هذه العلاقات، في سياقها الزمني، باعتبارها أشكالًا من التعاون الاجتماعي أو اللوجستي. وتشير بعض الوثائق إلى أن أفرادًا من عائلة أندراوس، كغيرهم من أعيان المنطقة، لعبوا أدوار وساطة غير رسمية في تسهيل وجود الأجانب بالقرب من المواقع الأثرية.
وقد أُعيد لاحقًا تقييم هذا النمط من العلاقات بعد تطور مفاهيم حماية التراث، حيث بدا واضحًا أن كثيرًا من أشكال “التعاون” القديمة ساهمت، بوعي أو دون وعي، في خروج قطع أثرية من مصر في زمن كانت فيه الرقابة ضعيفة والمساءلة محدودة.

جريمة القصر… حدث جنائي وتأويلات متعددة

في عام 2013م، هزّ الرأي العام خبر مقتل اثنين من ورثة العائلة داخل القصر، وهي جريمة تعاملت معها الجهات الأمنية بوصفها واقعة جنائية في المقام الأول. غير أن خصوصية المكان وتاريخه دفعت بعض وسائل الإعلام والتحليلات غير الرسمية إلى الربط بين الجريمة وتاريخ القصر، بما في ذلك افتراضات تتعلق بمقتنيات محتملة أو وثائق قديمة.
وقد ظلت هذه التفسيرات في إطار التأويل الإعلامي، دون أن تُثبت التحقيقات أي دافع أثري مباشر للجريمة، ما يعكس مرة أخرى كيف يمكن لتاريخ المكان أن يفتح أبوابًا للتأويل تتجاوز الوقائع المثبتة.

هدم القصر والكشف الأثري: أسئلة مؤجلة

في أغسطس 2021م، تقرر هدم القصر بدعوى تضرره الإنشائي. وخلال أعمال الفحص الأثري، كشفت البعثة المصرية عن بقايا أثرية مهمة أسفل المبنى، من عملات رومانية وشواهد معمارية وأدوات فخارية، بما يؤكد أن القصر أُقيم فوق موقع أثري قديم.
وأثار هذا الاكتشاف تساؤلات مشروعة حول كيفية التعامل سابقًا مع مثل هذه المواقع، ولماذا ظلت بعض الملفات التاريخية مغلقة لسنوات طويلة، دون مراجعة شاملة لطبيعة حيازة الأراضي والمباني المقامة فوق مواقع أثرية.

اقتصادياً وسياسياً، يمثل اكتشاف الآثار أسفل “قصر أندراوس” نقطة تحول في السياسة العقارية بالأقصر. إن الدولة المصرية في عام 2026 تتبنى استراتيجية “الإزاحة التراثية”، حيث تُعطى الأولوية للأثر فوق المبنى التاريخي إذا ثبت أن الأخير يمثل عائقاً أمام كشف حضاري يدر مليارات الدولارات من السياحة المستدامة. هذا التحول يعكس سيادة الدولة الحديثة، التي لم تعد تسمح بـ “جيوب النفوذ” أن تخفي تحتها كنوز الأمة.

قراءة أوسع للملف

لا يمكن فصل قصة عائلة أندراوس عن السياق العام الذي شهد تورط عدد من العائلات الثرية، دون استثناء، في التعامل مع الآثار باعتبارها جزءًا من النفوذ الاجتماعي أو الرمزي. وهي ظاهرة لم تكن حكرًا على مصر، بل سادت في دول عديدة قبل تشكل الدولة الحديثة وآليات حماية التراث.
ومن هنا، فإن إعادة فتح مثل هذه الملفات لا ينبغي أن تهدف إلى الإدانة بأثر رجعي، بل إلى الفهم، والتوثيق، وتصحيح المسار، عبر مراجعة تاريخ الملكيات الخاصة، وإرساء قواعد شفافة تحمي ما تبقى من التراث.

خاتمة الاستشراف التراثي

إن قصة قصر أندراوس وما كُشف تحته ليست إدانة لعائلة بعينها، بقدر ما هي مرآة لمرحلة تاريخية التبست فيها الحدود بين النفوذ الاجتماعي والإرث الحضاري. وقد آن الأوان للتعامل مع هذا الماضي بجرأة علمية ووثائقية، تضع الحقيقة في سياقها، وتحمي المستقبل من تكرار أخطاء لم تُحسم في وقتها.
فالآثار ليست ملكًا لأسماء أو عائلات أو عصور، بل ذاكرة أمة كاملة، وكل محاولة لفهم تاريخها هي خطوة نحو صونها لا التشهير بها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights