دنيا ودين

دخول رمضان: كيف نستقبله بالاستعداد والعمل الصالح

واجبات المسلم عند بداية شهر الرحمة بين العبادة وإصلاح النفس

 المقدمة

عندما يعلن دخول شهر رمضان يشعر المسلم أن صفحة جديدة قد فُتحت في حياته وكأن الله يمنحه فرصة أخرى ليعود إليه بقلب صادق وروح نقية رمضان ليس مجرد شهر في التقويم بل هو موسم إيماني عظيم تتغير فيه الأجواء وتلين فيه القلوب وتقترب فيه الأرواح من خالقها في هذا الشهر تتضاعف الحسنات وتفتح أبواب الرحمة وتغلق أبواب الشر فيجد الإنسان نفسه أمام فرصة حقيقية ليعيد ترتيب أولوياته ويصحح مساره ويقوي علاقته بالله

كثيرون ينتظرون رمضان من أجل العادات الجميلة والاجتماعات العائلية وأجواء الفرح لكن المعنى الأعمق لهذا الشهر أعظم من ذلك بكثير فهو شهر تربية للنفس ومدرسة للأخلاق وميدان للمجاهدة والصبر ولهذا فإن استقبال رمضان ينبغي أن يكون استقبالًا واعيًا قائمًا على النية الصادقة والاستعداد الحقيقي لا مجرد مظاهر خارجية

أول ما ينبغي على المسلم عند دخول رمضان هو أن يجدد توبته ويقف مع نفسه وقفة صادقة يراجع فيها أخطاءه وتقصيره فالقلب الذي يثقل بالذنوب لا يستطيع أن يشعر بحلاوة الطاعة ورمضان فرصة عظيمة لغسل القلب من آثار المعاصي وبداية عهد جديد مع الله التوبة في هذا الشهر ليست مجرد كلمات تقال باللسان بل هي شعور بالندم الصادق وعزم على عدم العودة إلى الخطأ وتصحيح لما يمكن تصحيحه من الحقوق والعلاقات

ومن أهم ما يجب الاهتمام به في رمضان تصحيح النية فالصيام ليس عادة اجتماعية بل عبادة عظيمة لا يقبلها الله إلا إذا كانت خالصة له لذلك على المسلم أن يستحضر في قلبه أنه يصوم طاعة لله ورغبة في رضاه وأن يجعل كل عمل يقوم به في هذا الشهر بنية التقرب إلى الله سواء كان صلاة أو صدقة أو قراءة قرآن

المحافظة على الفرائض في رمضان تأتي في مقدمة الواجبات فلا قيمة للنوافل إذا كان الأساس مهملًا الصلاة في وقتها بخشوع وحضور قلب هي عماد الدين وصيام الشهر كاملًا دون تفريط هو الركن الذي يقوم عليه هذا الموسم العظيم وكذلك اجتناب المحرمات والابتعاد عن كل ما يفسد الصيام من أقوال وأفعال لأن حقيقة الصيام ليست في الامتناع عن الطعام فقط بل في حفظ الجوارح كلها

القرآن الكريم له مكانة خاصة في رمضان فهو شهر نزوله ومن أجمل ما يمكن أن يفعله المسلم أن يجعل لنفسه وردًا يوميًا من التلاوة يتأمل فيه المعاني ويعيش مع الآيات بروحه وعقله فالقرآن في هذا الشهر يحيي القلوب ويبعث الطمأنينة في النفس ويمنح الإنسان نورًا يهديه في حياته

كما أن قيام الليل وصلاة التراويح من أعظم العبادات التي تميز رمضان ففي هدوء الليل وصفاء الأجواء يشعر الإنسان بالقرب الحقيقي من الله ويجد فرصة للدعاء والتضرع والبكاء بين يديه وهذه اللحظات الإيمانية قد تكون سببًا في تغيير مسار حياة كاملة إذا صدقت النية وحضر القلب

ومن الواجبات المهمة كذلك تهذيب الأخلاق وضبط اللسان فالصائم الحقيقي هو الذي يصوم عن الغيبة والكذب وسوء القول كما يصوم عن الطعام والشراب رمضان مدرسة عملية لتعلم الصبر وكظم الغيظ والعفو عن الناس وإذا خرج المسلم من الشهر وقد تحسن خلقه فقد حقق مقصدًا عظيمًا من مقاصده

ولا يكتمل معنى رمضان دون الشعور بالآخرين فشهر الصيام يذكر الإنسان بنعمة الطعام والشراب ويدفعه إلى الإحساس بالمحتاجين لذلك كان العطاء والصدقة في هذا الشهر من أعظم القربات فالمال الذي يخرج في رمضان يعود على صاحبه أضعافًا من الأجر والبركة ويزرع في المجتمع روح التكافل والمحبة

رمضان أيضًا فرصة لإصلاح العلاقات وقطع الخصومات فالقلب المشحون بالأحقاد لا يهنأ بالعبادة والمسامحة في هذا الشهر عبادة عظيمة تريح النفس وتفتح أبواب الخير ومن أجمل ما يمكن أن يبدأ به المسلم رمضان أن يصفح عمن ظلمه ويطلب العفو ممن أخطأ في حقه

دخول رمضان ليس حدثًا عابرًا يمر كل عام ثم ينتهي بل هو نعمة كبيرة وفرصة قد لا تتكرر فكم من إنسان كان ينتظر رمضان الماضي ولم يدرك هذا العام لذلك فإن العاقل هو من يغتنم أيامه ولياليه ويجعل منه نقطة تحول حقيقية في حياته

إذا استقبلنا رمضان بتوبة صادقة ونية خالصة وحافظنا على صلواتنا وأحسنا أخلاقنا وأقبلنا على القرآن والدعاء وحرصنا على نفع الناس فإننا نكون قد فهمنا المعنى الحقيقي لهذا الشهر المبارك وعندها فقط نخرج منه بقلوب أنقى ونفوس أقوى وإيمان أعمق

نسأل الله أن يبلغنا رمضان وأن يعيننا فيه على الطاعة وأن يجعلنا من المقبولين الذين تغيرت حياتهم فيه إلى الأفضل إنه ولي ذلك والقادر عليه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights