عودة التمائم: عن السودان نتحدث.
بقلم: زياد تامر
عودة التمائم
’’وَما القَتلُ تَحيا عَلَيهِ البِلادُ .. وَلا هِمَّةُ القَولِ عُمرانُها
وَلا الحُكمُ أَن تَنقَضي دَولَةٌ .. وَتُقبِلَ أُخرى وَأَعوانُها
…….
فَمِصرُ الرِياضُ وَسودانُها .. عُيونُ الرِياضِ وَخُلجانُها
وَما هُوَ ماءٌ وَلَكِنَّهُ .. وَريدُ الحَياةِ وَشِريانُها‘‘
’’إني نظرتُ إلى الشعوب فلم أجد .. كالجهل داءً للشعوب مُبيدا‘‘
أحمد شوقي.
السودان، الأرض الثرية السمراء الغنية بالثروات وكرم النيل. الأرض التي شاركت مصر النيل والحكم زمنًا طويلا.
السودان الذي حين رغب في التحرر والشعور بأفراده ككيان مستقل له الحرية الرأي والسيادة ضاع كما تضيع البلدان المقهورة بُحكامها والظلم المسعور الذي حين نسكت عنه يطيح في الأفراد أغتصابًا وتشريدًا.
حين وقعتْ الحرب وشدّت من أزرها كان الصمت ما قابله السودان، لم أشعر بفداحة الحرب وتعجبتُ كغيري من المصريين لوفود الآلاف من السوادنيين أرض الكنانة.
لم أعرف أن السودان نال حظًا وفيرًا من القهر كغيره من البلاد العربية إلا حين ألقتْ سيدة بعضًا من النور على القضية المسكوت عنها.
في رواية عودة التمائم لنور عبد المجيد نجد السودان يتصدر أحداث الرواية بحياء شديد كأنه سلّم أن واقعه دائمًا أن يظل محجوبًا.
بلغة عذبة وحروف صادقة تحكي نور عبد المجيد عن تميمة، السيدة التي عاشت مع السودان كل انتقالاته ونكباته.
وتساءلتُ لما السودان؟ ما هذا البلد الذي أسمع عنه وما الذي قدّمه كي يُحكى عنه؟
هناك فلسطين، هناك سوريا، هناك لبنان. فلما السودان.
تعلمتُ في رواق الرواية من يكون السودان وأني أعمى وقعتُ في فخ العنصرية في رداء القومية المصرية.
السودان بلدٌ له ثقافته وأناسه؛ أفرادٌ يحيون كما نحيا ولهم آمال في عيشٍ كريم وطموح للمستقبل البعيد. يحبون وطنهم ويعتزون بسمرتهم ويعشقون النيل. يخرج منهم عباقرة يحلمون بالنجاح والتأثير.
تحكي نور عبد المجيد بلسان تميمة التي ولدت عام 1969، بلسانٍ عربي سوداني، عن حياة امرأة حرمت من الحب فبحثت عنه في كل مخلوق.
يمر ثلاث رجال في حياتها وكل رجل يصوّر مرحلة من مراحل الإنسان.
سالم، الحب الذي يبدو مسالمًا حنونًا يعدك بآمال لحياة سعيدة، وتجد الخيبة في بداية الطريق تعصف بك وتكسرك وترحل الخيبة وقد شتتت استقرارك لتكمل الطريق كحالة يرثى لها.
حامد، النتيجة الخرقاء لرغبات تظن أنك تحقق بها يعوضك عن خيبة الماضي فإذا تجد أن أحدت مسار حياتك إلى منعطف مليء بالعقبات والصعاب، تقضي شبابك تحاول أن تعود لأصل الطريق فتجد أنك تهت في متاهة الأعوام.
راشد، الملاذ الذي تتمنى لو قابلته قبل الآلام وتجد أنك في عمرٍ مبكر أو متأخر قد نضجت وهدأت زوابعك بعد أن خسرت الكثير.
والثلاث رجال غير أنهم مراحل الإنسلن الثلاث فهي مراحل البلدان أيضًا.
تبدأ البلاد بالزوبعة طالبة الاستقرار والحياة الكريمة لسلام دائم، يختار الحكام أساليب هوجاء لحفظ المصالح والبلد من أخطاء السابقين، وتصل الشعوب إلى الرشاد وتدرك كم الجهل الذي عاناه أفراده بعد فوات الأوان.
وتميمة هي السودان؛ الأحلام والآمال، الأخطاء والصدمات، والخيانة وتخبطات النجاة. تكبر وتشيخ وتتعجب كيف مضت الأعوام.
بجانب تميمة والسودان تجد العمر والأقدار حاضرة بشدة، كيف ضاع العمر الغالي بسبب أخطاء لا يد لنا فيها. قضايا لا تخصنا وجدنا أنفسنا نحمل عبئها وتقاليد وعادات بددت إنسانيتنا دون حق التدخل.
حظ عاثر أوقعنا في بيئة وعائلة ومعارف وبلد دمروا حقنا في الحياة والحب.
هكذا يضيع العمر قبل أن ندرك أننا لم نعد شبابًا.
أكبر همي في الحياة أن يضيع العمر، أن أحمل الأعوام على كاهلي وأقضي الباقي من أيامي أبكي على ما لم يكن. أن تكون حياتي سلسلة من المآسي والتضحيات دون ثمارٍ أو أثرٍ يبقى. همي أنا الشاب الذي لم يبلغ منتصف العشرينات!
أكبر جناية في حق أبناء الوطن هو تكفيرهم لهويتهم؛ أن يفقدوا الإيمان بالوطن وبالحياة فيه فيلجأون إلى بلاد أخرى أكثر تقدمًا كانت لها اليد في وضع الأساس لخراب ديارنا.
أما كان الوطن أولى بالعقول النابغة؟ أما كان النجاح أحلى على الأرض التي ولدنا عليها؟
كل تلك أسئلة همستْ بها نور عبد المجيد على لسان البطلة.
ما دور مصر في كل ذلك؟ أستقل السودان عن مصر رغبة في التفرد. وعاد السودان لاجئًا إلى مصر التي فتحت أبوابها لهم. ما دور المصريين؟
ينظر المصريون إلى السودانيين نظرة المتحضر إلى المتخلف، الهانئ إلى الشقي، الأبيض إلى الأسمر. ونحن أبناء النيل والحكم القديم!
حين جاءت شبهة الكوليرا منذ عام ألقى بعض من المصريين اللوم على السودانيين، وحين بدأت شعارات الأفروسنتريك تجد مستمعًا ألقى المصريون الكره على السودانيين، حين وجد العاملين والجيران من السودان زاد نفورهم منهم!
وجاء فنان مثّل في بعض المسلسلات المصرية وألقى تصريحًا ثار عليه المصريون ولعنوا اليوم الذي ضمت مصر فيه الوافدين إليها من السودان وسوريا وفلسطين والفرص الضائعة للمصرين. وقد غرقتُ بدوري في تلك الدوامات.
ولكن السودان غير ذلك، السودان بلدٌ متحضرٌ أهله طيبو القلوب، وككل الشعوب لا يخلو شعبه من حاقد أو مؤذٍ يحيق الدمار لمن حوله. ألا يوجد في شعبنا مثل هذا الحاقد؟
كان للسوادنيين بيت وحياة وآمال دمرها الحرب، ولم يحكِ أحدٌ ما حاق بهم في رحلة العبور إلى مصر، وما كُتب عنه قالت نور عبد المجيد في ندوة لها أنه أقل كثيرًا مما حكي لها وأختارت أقل المرّ رحمة بالقارئ.
نحن البلد الذي ذُكر في القرآن، حمانا الله من دمار وشيك وللآن نظن أننا بمأمن منه، هكذا ظن السودان. مجرد السلام والأمان والهدوء نعمة نجهلها في غمار الغلاء والكدح.
هكذا تعلمتُ من نور عبد المجيد، وقد انتشلتني من الدوامات وأخبرتني أن عنصريتي لقوميتي معرضة في أسية لحظة للنهب والتشريد. فنحمد الله أننا مازلنا ذوي كرامة وقومية نصدح بها. وأن البلاد لا تحميها مجرد التمائم بل حرص أهلها عليها بالعلم والكفاح والخروج عن العفن من المعتقدات وغيرها.
نجحتْ نور عبد المجيد في خلق عالم بأكمله؛ الكتابة الروائية فن خلّاق، تخلُق في سطور بإيجاز مسهب عوالم وشخصيات تنبض وتتفاعل، من البداية إلى الصراع ثم الذروة والنهاية التي كثيرًا ما كانت نور تتركها مفتوحة كي يُنهيها القارئ بسؤال مهم؛ ماذا تعلمت؟ يجب عليك التفكير بالأمر لا كقصة انتهت بل كمسألة ما تزال باقية.
الرواية مؤلمة، مؤثرة، نابضة بدواخل النفس ومتاهاتها. والروايات المؤلمة والمؤثرة هي دائمًا ما تبقى بعد أن يسكبها الكاتب من دماء ابداعه.
لا تخرج مثل تلك الكلمات إلا من قلبٍ كبير وأنسان رقيق ولا تأتي كل تلك المشاعر الدافقة إلا من عاطفة أمّ أكرمت في أمومتها فأثرت.



