كتب/ د.قاسم زكي
عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين
في قلب القاهرة الخديوية مطلع القرن العشرين، كان متجر صغير في شارع فؤاد الأول (طلعت حرب حاليًا) يخفي بين جدرانه واحدة من أخطر شبكات تهريب الآثار في مصر. خلف اللافتة الأرمنية المتواضعة، كان يدير ‘ديكران كليكيان’ متجرًا يُدار بصمت ودهاء، لتُباع من خلاله كنوز مصر القديمة لعالم لا حدود له.
ولم يكن كليكيان مجرد تاجر عابر، بل رجل استطاع أن يستغل ظروف حقبة كاملة، حيث كان القانون ضعيفًا، والرقابة غائبة، والمجتمع منبهرًا بالغرب ومستعدًا لبيع تاريخه لمن يدفع. وما جرى في متجره الصغير لم يكن حادثة فردية، بل فصلًا من فصول نهب ممنهج طال هوية الأمة. ونحن في سلسلة اشهر لصوص الآثار المصرية نسلط الضوء على هذه الشخصيات الغامضة.
من هو ديكران كليكيان الأسطورة؟
ديكران كيليكيان (1868–1951) أرمني الأصل، تاجر وجامع فنون، أدار معارض في القاهرة وباريس ونيويورك. تخصص في الفن القبطي والإسلامي، وتعامل مع متاحف عالمية كالمتروبوليتان بنيويورك، وجمع كذلك لوحات لفنانين معاصرين. امتلك معرضًا في 38 شارع قصر النيل، مقابل البعثة الأمريكية، حيث توافد عليه دبلوماسيون وجامعو آثار وأجانب يبحثون عن قطع نادرة. ويُعتقد أن نشاطه بدأ مع شقيقه في إسطنبول قبل أن يتوسع إلى القاهرة، حيث استغل ازدهار السياحة الأوروبية وزيادة الطلب على الآثار المصرية.
وقد ساعده في ذلك انتماؤه إلى جالية أرمنية بارزة، عُرفت بحرفيتها في التجارة والصياغة. وسرعان ما أصبح محل كليكيان قبلة لهواة الجمع الأوروبيين، ووسيطًا موثوقًا لتوصيل القطع إلى الخارج. ولم يكن نشاطه مقتصرًا على بيع القطع الأثرية فحسب، بل شارك أيضًا في الترويج الثقافي لها، فكان يكتب في كتالوجات المعارض، ويعرض القطع بأسلوب يجمع بين التوثيق التجاري والطرح الفني، وهو ما زاد من جاذبية القطع لدى هواة الجمع في أوروبا وأمريكا، تماشياً مع معايير اليونسكو لحماية التراث العالمي. كما يُعتقد أن بعض القطع التي تعامل بها كليكيان استُخدمت لاحقًا كمرجع علمي في دراسات متخصصة، رغم خروجها من مصر بطرق مشبوهة. استفاد كليكيان من إجادته لعدة لغات، ومن موقع متجره في الحي الأوروبي بالقاهرة. كان وسيطًا مثاليًا بين المنقبين المحليين والمشترين الدوليين، يعمل في الظل، ويوفر الحماية والتغليف والنقل، وأحيانًا الأوراق المزورة. بعض القطع خرجت على شكل هدايا دبلوماسية أو ضمن شحنات بضائع فنية، في وقت كانت فيه الرقابة على تجارة الآثار شبه منعدمة.
زمن سيطرة الأجانب
رحلة التهريب غالبًا ما تبدأ من حفرة سرية في الأقصر أو الجيزة، حيث يعثر المنقبون على القطعة، ثم تُهرب إلى القاهرة، لتصل إلى كليكيان. هناك، يعيد تغليفها وتصديرها بطرق ملتوية، غالبًا عبر وسطاء أجانب. ورد اسمه في أرشيفات متحف المتروبوليتان، وتُشير مصادر إلى بيعه قطعًا لبريطانيا وفرنسا، حيث استعان به بعض الأثريين لاقتناء قطع لا يمكن إخراجها رسميًا. ولم يكن كليكيان حالة فريدة، بل كان ضمن منظومة أوسع تضم تجارًا ومندوبين وممثلين لسفارات وقناصل. وقد ساعده موقع مصر تحت الاحتلال البريطاني في الاستفادة من الامتيازات الأجنبية التي أعفت الأجانب من المحاكمة أمام المحاكم المصرية، مما جعل تهريب الآثار جريمة بلا عقاب. وبفضل هذه الحصانة، راكم ثروات طائلة، وظل بمنأى عن الملاحقة رغم وضوح نشاطه. وتجدر الإشارة إلى أن البيئة السياسية في مصر آنذاك لعبت دورًا في ترسيخ هذا النمط من التهريب، فبين ضعف سلطة الدولة ورضوخها للنفوذ الأجنبي، أصبحت حماية التراث مسؤولية شكلية، بينما كان النفوذ الفعلي بيد القناصل والتجار والسماسرة. أما القوانين، فكانت إما غائبة أو مصاغة بشكل يسهّل التلاعب بها.

كليكيان والامتيازات الأجنبية
في زمن الامتيازات الأجنبية، كان من شبه المستحيل ملاحقة شخص مثل كليكيان قانونيًا. فقد نسج شبكة تواطؤ مع موظفين محليين، أدلاء، رجال شرطة، ووسطاء. وبفضل هذه الشبكة، كانت القطع الأثرية تُهرب من مصر بسهولة وتُعرض في متاحف كبرى تحت بند ‘اقتناء مشروع’. وتظهر اليوم عشرات القطع التي تحمل ختم ‘Kelekian’ في متاحف شهيرة مثل متروبوليتان، واللوفر، ومتاحف ألمانيا، ما يؤكد حجم ما خرج من مصر عبر قنوات لم تكن تخضع لأي رقابة. بل إن بعض المزادات الحالية تفتخر بأن القطعة كانت ‘ضمن مجموعة كليكيان الخاصة’، في إشارة إلى القيمة السوقية التي ارتبطت باسمه.
كليكيان الرجل الشبح
لم تُفتح تحقيقات رسمية ضد كليكيان يومًا، ولم تُعرف تفاصيل دقيقة عن نهايته. تقول بعض الروايات إنه توفي في 1951م بعد سقوطه من فندق في نيويورك. ورغم غيابه، لا تزال عشرات القطع الأثرية تظهر في مزادات عالمية تحمل اسمه، تشير إلى أنها كانت ملكًا لـ’Kelekian of Cairo’. ما جرى ليس ماضٍ وانتهى، بل جرح مفتوح في ذاكرة الوطن. فالتاريخ لا يُقدّر بثمن، والقطع التي خرجت تحمل في طياتها أسرار حضارة لا نظير لها. والسؤال اليوم: هل نكتفي بالتحسر، أم نبدأ بالمحاسبة؟ هل نملك الشجاعة لملاحقة آثارنا في الخارج ومطالبة المتاحف الكبرى برد ما نهبته؟ لا يتعلق الأمر فقط بقوانين أو اتفاقيات دولية، بل بإرادة سياسية وشعبية تستعيد ما فُقد، وتحمي ما تبقى. وما دام أثر كليكيان حاضرًا، فإن مسؤوليتنا ليست فقط في إدانة الماضي، بل في مراجعة الحاضر أيضًا. فهناك عشرات التجار الجدد الذين يعملون بأساليب مختلفة ولكن بأهداف مماثلة. حماية الآثار لا تكون بسن القوانين فقط، بل ببناء وعي عام يعتبر القطعة الأثرية شرفًا وطنيًا، لا سلعة تُباع وتُشترى. فهل نُدرك متى نبدأ المواجهة الحقيقية؟ لم يكن كليكيان مجرد تاجر آثار، بل رمزًا لفترة كانت فيها مصر سوقًا مفتوحًا لماضيها. قصته تكشف عن هشاشة نظام حماية التراث، وتطرح أسئلة مؤلمة: كم من القطع ما زالت في الخارج؟ وكم تاجرًا مثله لم نعرفه بعد؟ إن استعادة الكرامة الحضارية لا تبدأ فقط بالقانون، بل بكشف الحكايات التي جرت في الظل.




