بقلم الصحفية / سامية نجيب
*من السماء إلى الموبايل.. من سينقذ الفقير؟*
زمان، لما كان الفقير يتخنق بالديون، كان يرفع إيده للسماء ويقول يا رب… النهاردة، ممكن يرفع موبايله ويقول يا ماسك.
فكرة تبدو كأنها من فيلم خيال علمي، لكنها الآن تُطرح بجدية على طاولة النقاش العالمي: تطبيق مقترح يحمل اسم إيلون ماسك، هدفه سداد ديون الفقراء والمتعثرين. ليس قرضا جديدا، ولا جمعية خيرية تقليدية، بل منصة ذكية تربط بين المتعثرين وبين من يريدون المساعدة، وتستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد من يستحق فعلا، ومن غرق في الديون بسبب الظروف لا بسبب الإهمال.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس هل سينجح التطبيق تقنيا، فماسك هو الرجل الذي أرسل صواريخ للفضاء وأعادها للأرض، بل السؤال الأعمق والأخطر: هل تحولنا من مناجاة الله في السماء إلى مناجاة التكنولوجيا في الأرض؟
*هل هذا إنساني؟*
نعم، وبكل وضوح. إنساني لأنه يمس أخطر أزمة صامتة في العالم: الديون.
الفقير لا يموت من الجوع فقط، بل يموت من الخوف. يموت من نظرة صاحب الدين، ومن تهديد الحبس، ومن كسرة النفس أمام أولاده. لو جاء من يرفع عنه هذا الحمل، فهذا عمل إنساني بامتياز، مهما كان اسمه.
الفكرة إنسانية لأنها لا تعطي الفقير صدقة تجعله يشعر بالذل، بل تعطيه فرصة ثانية. تعطيه بداية نظيفة. وهذا هو جوهر الإنسانية الحقيقي.
*أم أننا نصنع منقذا جديدا؟*
هنا تبدأ الحكاية الأخرى.
لماذا ننتظر ماسك لينقذنا؟ لماذا أصبح الحل يأتي من رجل أعمال يملك المليارات، وليس من حكومات ودول ومؤسسات وجدت أصلا لتحمي الفقراء؟
هل ماسك منقذ لملايين البشر بطريقة تفكيره، أم أننا نحن من صنعنا منه منقذا لأننا يئسنا من كل من حولنا؟
الخطر ليس في التطبيق، الخطر في أن يتحول الناس البسطاء من التوكل على الله والسعي في الأرض، إلى انتظار تطبيق على الموبايل يحل مشاكلهم. أن تتحول الدعوة من “يا رب فرجها” إلى “يا ماسك سددها”. أن يصبح الحلم ليس العمل والرزق، بل أن يختارك الذكاء الاصطناعي لتنجو من ديونك.
*هل سينجح؟*
سينجح تقنيا، وسيفشل إنسانيا إذا تحول إلى مجرد شو.
سينجح إذا كان هدفه ستر الناس، لا جمع بياناتهم.
سينجح إذا ساعد المتعثر الحقيقي، لا من يريد أن يعيش على حساب الآخرين.
سينجح إذا كان بداية لإصلاح منظومة الديون الظالمة، لا مسكنا يخدر الألم ويترك المرض.
أما إذا تحول إلى منصة للشهرة، ولجمع اللايكات، ولأن يقال “ماسك دفع عن فلان”، فسيكون مجرد نسخة حديثة من نفس المسرحية القديمة: غني يتصدق، وفقير يشكر، والفقر يبقى كما هو.
*الخلاصة*
إيلون ماسك ليس إلها، ولن يكون.
لكنه يضع أمامنا مرآة مخيفة: وصلنا لمرحلة أصبحنا نصدق أن رجلاً واحداً بتطبيق واحد يستطيع أن يفعل ما عجزت عنه دول كاملة.
المشكلة ليست في ماسك.
المشكلة فينا، حين صار الفقير لا يجد من يسمعه على الأرض، فبحث عنه في الإنترنت.
فهل سيكون هذا التطبيق بداية رحمة حقيقية للفقراء؟ أم بداية عصر جديد نستبدل فيه الدعاء بالتحميل، والإيمان بالتطبيق؟
هذا هو السؤال الذي سيجيب عنه المستقبل، وسيجيب عنه الفقراء أنفسهم.







