انتقل إلى المحتوى
الدليل نيوز · علشان البلد والناس
رئيس مجلس الإدارةمحمد البقري
رئيس التحريرأيمن عبدالعزيز
مدير البثأكمل النشار
آخر الأخبار

ليس عيبًا أن تقول: لا أعلم.. العيب أن تفتي بغير علم!

ليس عيبًا أن تقول: لا أعلم.. العيب أن تفتي بغير علم!
مقالات

من أجمل ما نتعلمه من قصص التاريخ ونوادر العرب أن الحكمة ليست حكرًا على أصحاب المناصب والألقاب، وأن العلم لا يُقاس بالمظهر أو المكانة الاجتماعية، وأن الإنسان مهما بلغ من المعرفة تظل هناك أمور لا يعلمها، وأسئلة تحتاج إلى بحث وتدبر قبل أن يتصدى للإجابة عنها.

ومن النوادر التي تحمل معاني عميقة، قصة تُروى عن عامر بن الظَّرِب العدواني، أحد حكام العرب في الجاهلية، وكان الناس يحتكمون إليه فيما ينشب بينهم من خلافات، لما عُرف عنه من رجاحة العقل والحكمة.

تقول الرواية إن وفدًا من إحدى القبائل جاءه يومًا يسأله عن شخص وُلد بآلتين، إحداهما للذكر والأخرى للأنثى، واختلفوا في تحديد نصيبه من الميراث: أيُعامل معاملة الذكر أم الأنثى؟

كان السؤال جديدًا عليه، ولم يجد له إجابة حاضرة، فظل يفكر ويتأمل أربعين يومًا، لا يتعجل الحكم ولا يدعي معرفة ما لم يتبين له.

وكانت له جارية تُدعى «سُخيلة» ترعى غنمه، فلما لاحظت انشغاله وسألته عن سبب حيرته، أخبرها بالمسألة، فقالت له رأيًا بسيطًا يستند إلى ملاحظة عملية، وهو أن يُنظر إلى الموضع الذي يخرج منه البول، ويُستدل بذلك على تحديد جنسه.

فاستحسن رأيها، وقال لها: «فرّجتِها عني يا سخيلة!».

وهكذا جاءت الإجابة من إنسانة ربما لم يكن أحد يتوقع أن يجد عندها حلًا لمسألة عجز عنها صاحب الحكمة والمكانة.

وقد وردت هذه النادرة في كتب التراث بصيغ متداولة، وتُذكر في سياق الحديث عن التوقف في الفتوى، وروى عن الإمام الأوزاعي تعليقه عليها مستنكرًا التسرع في إصدار الأحكام، ومشيرًا إلى أن من لا يرجو جنة ولا يخاف نارًا قد احتاط لنفسه أربعين يومًا قبل أن يجيب، فكيف بمن يؤمن بالله ويخاف الوقوف بين يديه؟

والحقيقة أن هذه الحكاية، بصرف النظر عن مدى ثبوت تفاصيلها، تحمل لنا مجموعة من الدروس التي نحن في أمسّ الحاجة إليها في زماننا.**

أول هذه الدروس: أن العلم أمانة وليس استعراضًا للمعرفة.

فليس مطلوبًا من الإنسان أن يعرف كل شيء، وليس عيبًا أن يتوقف أمام سؤال لا يملك إجابته، بل العيب الحقيقي أن يتظاهر بالعلم فيما يجهله، وأن يقدم للناس إجابات غير مدروسة لمجرد الحفاظ على صورته أمامهم.

وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذا المنهج بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43).

فالسؤال له أهله، والعلم له أصحابه، وليس كل من امتلك القدرة على الكلام امتلك القدرة على الإجابة الصحيحة.

وثانيها: لا تحتقر أحدًا، فقد تأتيك الحكمة ممن لا تتوقع.

لقد عجز عامر بن الظرب عن الوصول إلى الإجابة طوال أربعين يومًا، بينما استطاعت سخيلة أن تلفت نظره إلى مفتاح الحل.

وهنا نتعلم ألا نحكم على عقول الناس بمظاهرهم أو وظائفهم أو مستوياتهم الاجتماعية، فربما يحمل إنسان بسيط فكرة تنير طريق صاحب علم كبير، وربما تجد عند عامل أو فلاح أو شاب صغير رأيًا صائبًا لم يخطر ببال المتخصص.

والحكمة ضالة المؤمن، يلتقطها حيث وجدها، ولا يمنعه من قبول الحق أن يأتيه من شخص أقل منه مكانة أو منصبًا.

وثالثها: التريث قبل إصدار الأحكام دليل قوة وليس ضعفًا.

تأملوا أن صاحب هذه القصة لم يستحِ من أن يقول: لا أعلم، ولم يعتبر أن مكانته بين قومه تفرض عليه أن يقدم إجابة فورية لكل سؤال.

لقد أدرك أن كلمة واحدة قد تترتب عليها حقوق وأحكام، وأن الخطأ في الحكم ليس مجرد خطأ عابر، بل قد يترتب عليه ظلم إنسان أو ضياع حق أو إفساد علاقة.

وهذا هو جوهر الأمانة العلمية؛ أن نعرف متى نتكلم، ومتى نبحث، ومتى نستشير، ومتى نقول بكل شجاعة: لا أعلم.

وقد وضع القرآن الكريم قاعدة عظيمة في هذا الشأن، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36).

أما الدرس الرابع، فهو المقارنة المؤلمة بين أمانة من يتوقف في الإجابة، وجرأة من يتسابق اليوم إلى الفتوى دون علم أو تحرٍّ.

لقد أصبحنا نرى أحيانًا من يتصدرون للحديث في أدق المسائل الدينية والاجتماعية والطبية والعلمية، ويصدرون أحكامًا قاطعة في ثوانٍ، دون بحث أو مراجعة أو سؤال لأهل الاختصاص.

وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح البعض يتعامل مع كل سؤال باعتباره فرصة لإظهار المعرفة، ومع كل نقاش باعتباره معركة يجب أن ينتصر فيها لرأيه، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة.

والأخطر أن بعض الناس يخلطون بين الثقة في النفس والقدرة على الإجابة، وبين سرعة البديهة وصحة العلم، مع أن الإجابة السريعة ليست بالضرورة إجابة صحيحة، والصوت المرتفع ليس دليلًا على قوة الحجة.

وقد حذرنا رسول الله ﷺ من ضياع العلم حين قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (متفق عليه).

وهذا الحديث يضع أيدينا على خطورة أن يتصدر غير المؤهلين لتوجيه الناس والإجابة عن أسئلتهم.

والدرس الخامس: أن الاعتراف بحدود معرفتنا بداية الحكمة، وليس انتقاصًا من قدرنا.

فالعالم الحقيقي لا يرى في الاستعانة بغيره انتقاصًا من مكانته، ولا يجد حرجًا في مراجعة رأيه إذا ظهر له الصواب، ولا يتعامل مع علمه باعتباره نهاية المعرفة.

وكلما اتسعت دائرة علم الإنسان، أدرك اتساع دائرة ما يجهله، ولذلك كان من أجمل ما يُنسب إلى بعض أهل العلم قولهم: «لا أدري نصف العلم».

إننا بحاجة إلى أن نعيد ترتيب مفاهيمنا؛ فلا نقدس الأشخاص على حساب الحقيقة، ولا نمنح الألقاب حصانة من الخطأ، ولا نستهين برأي البسطاء، ولا نخلط بين من يتحدث بثقة ومن يتحدث بعلم.

وفي النهاية، ليست البطولة أن تجيب عن كل سؤال، ولا أن يكون لك رأي في كل قضية، ولا أن تسبق الآخرين إلى إصدار الأحكام؛ وإنما البطولة أن تكون أمينًا فيما تقول، شجاعًا في الاعتراف بما لا تعرف، حريصًا على ألا تضلل من وثق بك أو أضاع حقًا بسبب إجابتك.

تذكر دائمًا: قد تكون كلمة «لا أعلم» أصدق وأنفع من مائة إجابة متعجلة، وقد تجد مفتاح الحكمة عند شخص لم تكن تتوقع أن تتعلم منه، وقد يكون صمتك حتى تتبين الحقيقة أفضل من كلام كثير لا يستند إلى علم.

فلا تتعجل في الفتوى، ولا تتصدر لما لا تحسن، ولا تظن أن علمك قد أحاط بكل شيء.

فالعلم تواضع، والحكمة تريث، والفتوى أمانة، والكلمة مسؤولية، وكلنا سنُسأل عما قلنا وما فعلنا.

رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، وقال فيما لا يعلم: لا أعلم.

ا.د / ابراهيم حسينى درويش

شارك الخبر
Verified by MonsterInsights