انتقل إلى المحتوى
الدليل نيوز · علشان البلد والناس
رئيس مجلس الإدارةمحمد البقري
رئيس التحريرأيمن عبدالعزيز
مدير البثأكمل النشار
آخر الأخبار

دراسات مضللة للمومياوات المصرية بالخارج وحان الوقت لعودتها إلى موطنها 

دراسات مضللة للمومياوات المصرية بالخارج وحان الوقت لعودتها إلى موطنها 
حضارة وتاريخ

كتب: د. عبد الرحيم ريحان 

فندت عالمة الأشعة والمتخصصة في دراسة المومياوات الأستاذة الدكتورة سحر سليم، دراسة أمريكية تزعم وجود “قرابين بشرية” في مصر القديمة مؤكدة أنها مجرد تفسيرات استعمارية موجهة تفتقر للأدلة العلمية. 

وأوضحت أن هذه الدراسة الحديثة تحاول إحياء “نظرية التضحية بالبشر والقرابين الإنسانية” في العصر المبكر لمصر القديمة، مؤكدة أن الدراسة تفتقر للأدلة الدقيقة وقامت على عينات منقوصة جرى توجيهها أيديولوجيًا منذ الحقبة الاستعمارية.

كانت مجلة “فرونتيرز إن إنفيرومنتال أركيولوجي” العالمية قد نشرت يوم 5 أكتوبر الماضى دراسة للباحثة الدكتورة (روزالين كامبل) من جامعة بوردو الأمريكية بعنوان: “بيانات جديدة من عظام قديمة: استخدام علم الآثار الحيوية والأدلة الجنائية لإعادة تقييم البيانات الموروثة من أبيدوس القديمة، مصر”. وحاولت الدراسة إثبات وجود قتل طقسي جماعي لخدم وحاشية الملوك في بداية الأسرة الأولى استنادًا إلى فحص عظام جمجمة محفوظة حاليًا في مختبر “دوكورث” بجامعة كامبريدج في بريطانيا.

وأوضحت الدكتورة سحر سليم أن الدراسة ركزت على فحص 46 جمجمة فقط جرى اختيارها بشكل انتقائي معيوب من المدافن الفرعية المحيطة بثلاثة من حكام الأسرة الأولى في المقبرة الملكية بـ “أم القعاب” في أبيدوس، وهم الملك جر (ثالث ملوك الأسرة الأولى)، والملك جت (رابع ملوك الأسرة الأولى)، والملكة ميرنيت (الملكة الفرعونية الحاكمة).

وقد زعمت هذه الدراسة الامريكية وجود آثار عنف وإصابات وكسور ناتجة عن صدمات حادة على 18 جمجمة فقط من أصل الـ 46 جمجمة المفحوصة، واستنتجت الباحثة من خلالها وجود قتل طقسي متعمد لأفراد الحاشية تم تنفيذه بشكل متزامن وقت دفن الملك ليكونوا برفقته في العالم الآخر.

وأكدت الدكتورة سحر سليم أن هذه الـ 46 جمجمة لا تمثل مطلقًا الواقع الإحصائي لـ 700 إلى 900 مقبرة فرعية يضمها الموقع الإجمالي؛ بل تشكل عينة ضئيلة جدًا (تتراوح بين 5% إلى 15% فقط من مدافن الموقع) شُحنت خصيصًا إلى بريطانيا في عشرينيات القرن الماضي لخدمة أبحاث “قياسات الجماجم” لتدعيم نظريات الأعراق الاستعمارية والعنصرية، وبسبب رغبة المنقب البريطاني فلندرز بيتري في شحن انتقاءي للجماجم لبريطانيا لقياس أبعادها وترك الجماجم الأخرى وباقي الهيكل في مصر مما يجعل العينة ساقطة إحصائيًا ولا يمكن تعميم استنتاجاتها لبناء نظرية تاريخية كبرى.

نتائج طبية 

وفندت الدكتورة سحر سليم العالمة المتخصصة في دراسة المومياوات النتائج الطبية التي بنت عليها الدراسة زعم وجود إصابات وكسور وعنف، موضحة أن الدراسة الأمريكية اعتمدت بالكامل على “الفحص البصري الظاهري المجرد” لعظام يبلغ عمرها 5000 عام، وهو ما يعتبر منهجية قاصرة ومعيبة علميًا في العصر الحالي للتفرقة بين الكسور المحيطة بالوفاة وتلك التالفة بفعل العوامل الطبيعية وعوامل التربة بعد الوفاة والاصطدام بأدوات التنقيب.

وشددت على أن هذه الجماجم جرى طلاؤها بطبقات سميكة من شمع البرافين منذ قرن مضى لحمايتها أثناء نقلها؛ وهذا الشمع يتسبب في ملء الفراغات، وتغطية تفاصيل العظام الدقيقة، وتغيير لونها الأصلي بمرور الوقت وتفاعله مع المادة العظمية، مما يجعل الجزم بوجود “كسور حدثت وقت الوفاة على الـ 18 جمجمة” وبناء استنتاجات قطعية عليها أمرًا مستحيلاً ومتحيزاً باستخدام النظر فقط دون الاستعانة بالأشعة المقطعية المتقدمة أو التحليل الميكروسكوبي الدقيق لنسيج العظام المتضرر، وهي التكنولوجيا الطبية الحديثة والنزيهة التي تفخر مصر باستخدامها دورياً لفحص آثارها.

وأشارت الدكتورة سحر سليم إلى أن أصل نظرية القتل الطقسي الجماعي لحاشية الملك معه في المقبرة تم فرضه بالأساس من وجود الدفنات المجاورة للملك، والتي تم الظن أن الدفن فيها قد تم وقت دفن الملك بشكل جماعي متزامن، وذلك لافتراض المنقبين الأوائل وجود سقف واحد متصل يغطي كامل المقبرة والمدافن الفرعية المحيطة بها ويغلقها معًا في آن واحد.

ولكن هذا الافتراض غير صحيح تماماً للأسباب التالية:

* حقيقة الأسقف المجزأة: كان عالم الآثار الشهير جورج ريزنر من أول من انتقدوا هذا الافتراض، حيث أثبت بالدليل الأثري أن الأسقف لم تكن كتلة واحدة متصلة، بل كانت تتكون من وحدات سقف خشبية وطينية مجزأة ومتعددة ومستقلة لكل غرفة على حدة.

* خطوط البناء الفاصلة: أكدت التنقيبات الحديثة التي أجراها معهد الآثار الألماني في أبيدوس وجود خطوط بنائية فاصلة واضحة في جدران الطوب اللبن للمقابر الفرعية، مما يثبت بشكل قاطع أنه تم بناؤها وتوسيعها وإضافة غرف جديدة إليها على مراحل زمنية مختلفة وبشكل تدريجي وليس في يوم واحد.

* الوفاة الطبيعية والتتابع الزمني: هذا الدليل الهندسي ينفي تمامًا مزاعم القتل الطقسي المتزامن وقت الجنازة الملكية، ويكشف أن أفراد البلاط الملكي من الحرفيين والفنانين والزوجات والخدم كانوا يموتون بشكل طبيعي على مدار سنوات حكم الملك الطويلة (والتي امتدت أحيانًا إلى ثلاثة عقود)، وكان يتم دفنهم تباعًا وبشكل متتابع في غرفهم المخصصة مع كامل متاعهم ومتعلقاتهم الشخصية وحرفهم ليصاحبوا الملك في العالم الآخر، وليس عبر مجزرة جماعية عشوائية يوم الجنازة.

 الماعت 

وشددت الدكتورة سحر سليم على أن هذا الطقس المزعوم بتقديم القرابين البشرية المقربة لم يُكتشف ما يفيده أو يدعمه في أي مواقع أثرية أخرى في مصر القديمة كافّة، مبيّنة أن ممارسة مذابح جماعية بحق الأبرياء والمقربين من أبناء الشعب تتعارض جملة وتفصيلاً مع عقيدة “الماعت”، وهي القيمة الروحية والدينية الأسمى لدى المصري القديم والتي تمثل “العدالة والحق، النظام الكوني والسلام”. فالملك في مصر القديمة كان مجبرًا دينيًا وأمام الآلهة على حماية الماعت ومحاربة الفوضى والظلم. وبالتالي، فإن إعدام المئات من الخدم لمجرد دفنهم مع الملك يعد انتهاكًا صارخًا وصريحًا للعقيدة المصرية، وهو أمر لا يمكن قبوله تاريخيًا أو عقائديًا

وفجّرت الدكتورة سليم مفاجأة بأن مفهوم “العنف الشعائري المحكوم” في مصر القديمة كان له سياق سياسي وقانوني واضح؛ فالقتل أو “الضرب الطقسي” لم يكن يُمَارس قط ضد الحاشية المقربة، بل كان موجهًا حصرًا ضد أعداء مصر الخارجيين من الأسرى، أو المتمردين والعصاة الداخليين الخائنين والخارجين عن القانون والداعين للفوضى كما توثقه (صلاية نعرمر) وغيرها تحت طقس (ضرب أو سحق الأعداء)، وهو إجراء عسكري وقانوني لحماية الأمن القومي والدفاع عن الماعت ضد أعداء الوطن.

استعادة المومياوات 

واختتمت الدكتورة سحر سليم تفنيدها بتوجيه نداء انساني دعت فيه إلى ضرورة العمل الجماعي والدولي على إعادة وتوطين الرفات البشرية، والهياكل العظمية، والأجساد والمومياوات المحنطة المصرية القديمة المتواجدة خارج مصر في جميع دول ومتاحف العالم —وليس فقط في المجموعات البريطانية بجامعتي كامبريدج وكوليدج لندن.

وأكدت أن هذه المطالبة ترتكز على محورين أساسيين؛ أولهما أخلاقي وإنساني يهدف إلى تحقيق “الراحة الأبدية للموتى” واحترام رغبتهم الدينية الأولى في الدفن بوطنهم؛ وثانيهما علمي، حيث أثبت العلماء والباحثون المصريون أنهم الأجدر والأكثر كفاءة على فحص وحماية رفات أجدادهم باستخدام أحدث التقنيات الطبية والأثرية غير الائتلافية، بعيدًا عن الرؤى الاستعمارية النمطية والمتحيزة التي تشوه الحقائق التاريخية للحضارة المصرية.

شارك الخبر
Verified by MonsterInsights