كتب: د. عبد الرحيم ريحان
حين تجتمع الكلمة واللحن والصوت نتذكر العندليب في ذكراه، كنا نتغنى في طفولتنا بعذوبة الكلمات ونحفظ اللحن ونردد الأغاني، نسجلها على الحوائط مقتطفات نحيطها بالزهور، وصلت أغانيه إلى قلوبنا في سن مبكرة في الطفولة لبساطة كلماتها واستمرت معنا في شبابنا نحفرها في قلوب وأسهم على جذوع الشجر.
ساهمت أغانيه في نمو مبكر لعاطفة جيّاشة داخلنا كبرت معنا فعشقنا الجمال وعذوبة الكلمات واستقامت الألسن فأصبحت الأحاديث العادية بيننا شعرًا، نما في داخلنا حب الجمال، فحرصنا على تجميل كل شيء حولنا، كانت الحدائق متسعة أمامنا نجري ونمرح ونحفر ذكرياتنا الذي دمرها اليوم أعداء الجمال لتحويلها إلى بوتيكات ومشاريع استثمارية تقوم على أنقاض الجمال تقتل الجمال لتزرع القبح.
كنا نحمل في حقائبنا المدرسية وبين أجنداتنا الجامعية دواوين شعر لنزار قباني تغنى بها العندليب “رسالة من تحت الماء” ونردد كلماتها بين آذان موسيقية تنصت في إعجاب:
“اشتقت إليك فعلمني أن لا أشتاق
علمني كيف أقص جذور هواك من الأعماق
علمني كيف تموت الدمعة في الأحداق
علمني كيف يموت الحب وتنتحر الأشواق”
ونردد “قارئة الفنجان” حين تقول:
“فحبيبة قلبك.. يا ولدي
نائمةٌ في قصرٍ مرصود
والقصر كبيرٌ يا ولدي
وكلابٌ تحرسه.. وجنود
وأميرة قلبك نائمةٌ..
من يدخل حجرتها مفقود..
من يطلب يدها..
من يدنو من سور حديقتها.. مفقود
من حاول فك ضفائرها..
يا ولدي..
مفقودٌ.. مفقود”
أما كلمات “عدى النهار” فقد سجلت في الذاكرة بحروف من نور وتطل دائمًا من نافذة الذاكرة لتذكرنا بالمراحل التي مرت بها مصرنا الغالية بعد حرب 1967. أبدع كلماتها الأبنودي وصاغ لحنها بليغ حمدي وشدا بها العندليب:
“عدى النهار
والمغربية جاية
تتخفى ورا
ضهر الشجر
وعشان نتوه فى السكة
شالت
من ليالينا القمر
وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها
جانا نهار ماقدرش يدفع مهرها
يا هل ترى الليل الحزين
ابو النجوم الدبلانين
ابو الغناوى المجروحين
يقدر ينسيها الصباح
ابو شمس بترش الحنين
أبداً .. بلدنا ليل نهار
بتحب موّال النهار
لما يعدّى فى الدروب
و يغنّى قدّام كل دار
و الليل يلف ورا السواقي
زى ما يلف الزمان .. و على النغم
تحلم بلدنا بالسنابل و الكيزان
تحلم ببكرة .. و اللى حيجيبه معاه
تنده عليه فى الضلمة و بتسمع نداه
تصحى له على ايد الأدان
تروح تقابله فى الغيطان
فى المصانع .. و المعامل .. و المدارس .. و الساحات
طالعة له صحبة .. جنود
طالعة له رجال .. اطفال .. بنات
كل الدروب واخدة بلدنا للنهار
و احنا بلدنا ليل نهار
بتحب موال النهار
لما يعدى فى الدروب”




