شبكة العلاقات الصحية ل Gen-Z
كتب: زياد تامر
العلاقات الصحية انتشر في العقدين الأخيرين الوعي بسلوكيات العلاقات بين البشر؛ مثل الصداقة، الحب بين طرفين، وبين أفراد الأسرة. بات كل فرد بهذا الوعي مسؤولًا عن نفسه وعن شريكه. ومن الممكن، بسبب غلطة من أحد الطرفين، أن يتعدى حدوده ويتم وصم العلاقة بـ “toxic relationship”. ولكن، هل نملك فعلًا الوعي الكافي لحياة أفضل بين البشر؟ أو بشكل أدق؛ هل نملك الوعي الكافي للتعامل مع هذا الوعي المنتشر؟ هل نصلح حياتنا أم نبني سياجًا حول آلامنا كي لا تتكرر، تحت مسمى “الأنا” و”النفس”، وتحت شعارات “العلاقة الصحية” التي قد يدمرها استعمال غير صحيح للوعي؟
لم يسلم أي مخلوق منا من علاقة سامة من شخص مؤذٍ ترك بصمته فينا، فصرنا بعده نتعامل مع الآخرين بوحيٍ من الإنذار بأذى قريب. بعد هذا المؤذي، يتم إيقاظ خاصية الدفاع لدينا ونترك لها قيادة أفعالنا – وغالبًا بلا وعي – مع الآخرين. يثير عندها الوعي المبدئي بالعلاقات المؤذية من وحي التجربة.
نتصادف لدينا مصطلح أو اثنين من مصطلحات العلاقات، ومنه يتتبع المرء خطاه نحو كتب التنمية الذاتية والتعافي، ويبني إذ ذاك حدودًا له تعصمه من الخطأ وتُترجم أي مخطئ أخطأ بقصد أو دون قصد. “من منكم بلا خطيئة كي لا يُرجم؟”
يتمحور الوعي حول “الأنا” و”النفس”، حول التأهيل والتخطي. فعصرنا الراهن يهتم بالنفس أولًا ثم مصلحتها أخيرًا. والعلاقات هكذا صارت تأتي تباعًا لمصلحة النفس. ولما التركيز على النفس فقط؟ ربما الأمر عائد إلى الوعي بلا وعي، وربما أيضًا من الأذى المنتشر حولنا. وإن لم نهتم بالنفس، فستغدو الدنيا عبارة عن مسوخ تدمر مسوخًا.
علاقة مؤذية = أنا أتألم، أنا مهم، أنا موجود.
علاقة بنّاءة = هناك من يهتم بي، أنا مهم، أنا موجود.
ويظل الأمر يتمحور حول الأنا، والشريك محصور في التضحية بلا عائد نافع له. ونعود مجددًا لفكرة الشريك “ال toxic”، وتتعقد الشبكة. هذا جانب واحد من مشاكل تداخلت وتعقدت في شبكة العلاقات.
انتشر المؤذون ومعهم الصدمات والعقد النفسية في جيل الـ Gen-Z، فبات صعبًا أن نرى شخصًا غيرنا أو شخصًا بكرًا من الصدمات. مثل هذا الشخص يُعرض لصدمة كبرى من آخر لديه الوعي بهذه البكارة، فيدمرها حبًا في التدمير والإذلال، أو لديه الوعي الذي بنى من خلاله حدوده الصارمة التي سيتعداها الأول دون قصد أو تدبر، وسينبذ حينها بأقسى الطرق. ولكن، لما الحدود ولما النبذ؟ شراءًا لراحة النفس والاستقرار. ولما النفس؟ مجددًا لكثرة العلاقات المؤذية التي لا تخلو حياة من إحداها، والتي جعلت كل شيء يدور حول الأنا وتعافيها والدفاع عنها ونبذ الآخر. ونحن لا ننخذل للنفس حقها، ولكن إذا بنينا سياجًا حول نقطة، فستظل النقطة حبيسة، بينما الروضة البيضاء لباقي الصفحة واسعة مليئة بالتجارب التي علينا خوضها.
كل ذلك نابع من آلية الدفاع التي أيقظها الوعي المبدئي والمكتسب. ولكن مجددًا، أملك الوعي بالوعي؟
مثلاً،
حالة 1:
“أنا أحب فلانًا وأستمتع بقضاء الوقت معه، ولكن فلان يريد المزيد من التواصل والاهتمام، وذلك يرهقني ويجعلني تحت ضغط. حاولت أن ألمح له، ولكنه يستمر بالسؤال وانتهاك حدودي وإعطاء نفسه مساحة في حياتي. سأكف عن الرد عليه، سأنبذه لعله يكف عن التواصل معي. هكذا أشتري راحتي ونفسي. إذا أحب ذلك، أهلًا به، وإن لم يحب، فهو كأنما لم يحب، كوني قصيرًا ولا يد لي في ذلك.”
عدم الرد والابتعاد المفاجئ عن شخص لم يقترف سوءًا بالمعنى القديم للسوء هو أذى صريح، ولكن تحت مسمى آخر بوعي لم يتم استعماله بشكل صحيح. قد يدمر هذا الأمر ثقة المتكلم عنه بنفسه ويذبذب معرفته عن نفسه وسيظن لا محالة أن العيب فيه وأنه اقترف خطأ عظيمًا. وإذا لمح صاحب الحالة لشريكه برغبته في الابتعاد، ومع ذلك سيحيا حياته مع باقي أصحابه، بينما المتكلم عنه سيُترك وحيدًا لذنب لم يقترفه ويُترك ليتخبط في شكوكه. الذاكرة لا تحتمل كل صغيرة في العلاقة، ومع ذلك لن تكون هذه سوى علاقة مواقف وليدة اللحظة. في هذا ظلم للشريك وكرامته كإنسان يضحي ويحاول بناء الشكل الصحيح من العلاقة. ومع ذلك، فلنضع ظنًا بسيطًا أن نواياه سليمة وليست تعديًا للحدود.
حالة 2:
“فلان يهتم بي بشكل جيد، وأنا أخشى تبعة ذلك. ربما هو يحبني، وربما أنا أحبه، لا أدري. سأبتعد وسأعيد وضع النقاط على الحروف.”
هنا بات الاهتمام الصريح السليم نذيرًا للراحة وللسياج حول النقطة. مجرد إشارة إلى عاطفة ما، رغم عدم قابلية الطرف الآخر لتلك العاطفة، ينتج عنها زلزلة للاستقرار والنبذ السريع، ووضع كل جهود المتكلم عنه جانبًا والتركيز فقط على النفس وراحتها.
حالة 3:
“أنا أحب فلانة، وهي رائعة بكل المقاييس، ولكنها تخشى الارتباط ولديها صدمات عميقة من تجارب ماضية. أريد أن أكون جزءًا من حياتها والإصلاح من ندوب الماضي.”
وهنا تتعقد الشبكة. فكنا نتحدث عن النفس، ونضطر هنا للعودة إليها، والقول قولًا واحدًا أن المحاولة ربما ستبوء بالفشل والأذى، لأن المتكلم عنها ستلجأ لآلية الدفاع وربما تجتر مآسيها وتتصرف بناءً عليها. والمتكلم هنا سيقوم بدور المنقذ ويدرك عبث محاولاته. ولذلك سينصحه الآخرون بدرء نفسه عن الهموم وشراء نفسه. ونعود إلى مشكلة النفس مجددًا، فلن يوجد هناك إصلاح ولن يوجد تعافٍ صريح، ولن تعود هناك حياة مليئة بالتعاون والمشاركة.
ما الحل إذن؟
على أصحاب العلم من المختصين بعلم النفس والعلاقات أن يهتموا بالوعي فوق الوعي، بتصحيح مفهوم النفس والآخر لدى الجيل الحالي والناشئ. أهمية العلاقة التي غدت من مشاركة وبناء فعال للمجتمع، لمجرد ظاهرة شبابية صارت تلد المشاكل عوضًا عن الحب والنماء، وتترك ضحايا غير قادرين على بناء أسرة وتربية أولاد للمجتمع المستقبلي.
فالوعي سلاح ذو حدين، قد يفيد وقد يتم استعماله – بوعي أو بلا وعي – بشكل مدمر وسطحي، بل وعملي دون إنسانية، درءًا لمزيد من الألم.
وأكون بذلك قد أصبت في وصف الحال، وأكون أخطأت، ولكني على الأقل أكون قد ألقيت الضوء على مشكلة سارية.
وسأسعى لاحقًا في مقال آخر إلى التحدث عن أضرار العلاقات المبكرة في الشباب (Gen-Z). فلا نكتفي هنا بإلقاء اللوم كله على النفس والوعي المكتسب بالعلاقات ومفاهيمها، ولكن أيضًا نلقي الضوء على الآخر المسبب في خلق تلك المفاهيم، وهذا علم – علم العلاقات.
لمزيد من المعلومات حول بناء علاقات صحية، يمكن زيارة Psychology Today. كما يمكن الاطلاع على نصائح لتجنب العلاقات السامة عبر Healthline.




