من يُربّي أبناءك حين تنام؟

تحقيق: أحمد يحيى عبد الوهاب
هل تتحول القنوات التلفزيونية المفتوحة إلى منصات ممنهجه لترسيخ ثقافة الخرافات والشعوذه في وعي المشاهد…؟
ليلة واحدة، قناتان، عشر وثائق
الساعة الواحدة صباحاََ. قناة العمدة TV مفتوحة لكل من يملك جهاز استقبال. المسلسل يسير في حبكته، والشريط يزحف في أسفل الشاشة بلا توقف:
“حل المشاكل الأسرية وتطهير المنازل من جميع الأرواح الشريرة”
دقيقة واحدة تمر. يزحف شريط جديد:
“صلح بين الأزواج والأخوات ومنع العكوسات والنحوسات”
ثم:
“لجلب الحبيب ورد المطلقة وجلب الأموال وفك جميع أنواع السحر السفلي”
ثم:
“لطرد جميع الأرواح الشريرة والطاقات السلبية اتصل على الشيخة”
سبع رسائل في أقل من ثلاثين دقيقة. كلها موثقة بالصورة والتوقيت.
وعلى قناة Cairo Plus في نفس الليلة، لم يكتفِ البث بالشريط الزاحف. بل برنامج كامل للشيخ الروحاني داود الكتاني، بجمجمة ونجمة سداسية وأدوات سحر وتعاويذ على الشاشة، وأرقام هاتف مصرية ودولية معروضة بوضوح للتواصل مع المركز…
لا أحد يرفع حاجبه. لا رقيب يتدخل. لا صوت يعترض.
من يدفع الثمن؟
الضحية هنا ليست امرأة بعينها اتصلت بشيخة، ولا رجلاً محدداً خسر أمواله لراقٍ. الضحية أوسع وأخطر: هي وعي جيل بأكمله يتشرّب هذه الرسائل دون أن يدري، في حين أن الكثير من الناس يلاحظون التغيير السلوكي للشباب والعادات والتقاليد.
اعلانات السعاده الزوجيه والدجل والشعوذه والأدوات الخاصه بالبنات والسيدات تذاع على الملاء وشئ عادي وطبيعي. لكن
المُشاهد المُنهك في منتصف الليل لا يجلس ليتعلم. هو يجلس يستريح. ويفكر في حل مشكلته أو لم يكن لا ينام بسببها لكن الشاشة لا تستريح.
وحين تتكرر رسالة “الشيخة موجودة والحل عندها” مرات ومرات في لحظات الضعف، فإنها لا تبقى إعلاناً. بل انها تتحول إلى إذن ثقافي بأن هذا الباب مقبول، وأن طرقه أمر طبيعي.
هذا ما يفعله الإعلام حين يتخلى عن مسؤوليته: لا يترك فراغاً، بل يملؤه بما هو أسوأ.
تواجد الرقابة .. ولكن
المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الاعلاميين ليس غائبان. في آخر استدعاءاتهم للتحقيق مع محمد الدسوقي مقدم برنامج “هنا القاهرة” على قناة مودرن، ومع تامر عبد المنعم مقدم برنامج “البصمة” على قناة الشمس، وذلك لثبوت مخالفتهما ميثاق الشرف الإعلامي. وانهم يؤكدو دائماََ على انهم “يُهيب بالإعلاميين الالتزام بأصول المهنة ومعاييرها، ويؤكدون علي عدم ممارسة العمل الإعلامي بأي شكل يمس حقوق الأفراد أو ينتقص من كرامتهم” ….
الكلام واضح. الصلاحيات موجودة. والسابقة قائمة.
لكن قناة العمدة TV لا تزال تبث. وCairo Plus لا تزال تُذيع. والشيخة لا تزال تنتظر اتصالك.
فإذا كان المجلس يستدعي مذيعَين بسبب مخالفة ميثاق الشرف، فماذا يفعل أمام قناتين تبثّان السحر السفلي وجلب الحبيب وتطهير المنازل من الأرواح الشريرة سبع مرات في ثلاثين دقيقة، أمام الجميع، وبأرقام هاتف معلنة؟
لا إجابة رسمية حتى الآن.
التحقيق يُثبت ما يلي:
أولاً: قناتان مفتوحتان تبثّان إعلانات شعوذة وخرافة بشكل ممنهج ومتواصل في ساعات الذروة الليلية.
ثانياً: الجهات الرقابية تمتلك لجاناً متخصصة، مهمتها الوحيدة رصد المحتوى الإعلامي، ومتابعته لحظةً بلحظة. وأثبتت قدرتها على التحرك في حالات أخرى.
ثالثاً: الفجوة بين ما تقوله الرقابة وما تفعله القنوات ليست قصوراً في الصلاحيات، بل إخفاقاً في التطبيق.
وعليه.. على المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، فتح تحقيق فوري في بث هذه الإعلانات، على قناة العمدة TV وCairo Plus، وإصدار قرار واضح بشأنها. وعلى نقابة الإعلاميين توسيع نطاق تطبيق ميثاق الشرف ليشمل القنوات ذاتها لا المذيعين فحسب. وتحديد معايير واضحه للأعلانات الا اخلاقيه، والتي تولد جيلََ بدون حياء، وعلى المشاهد أن يعرف أن الشاشة لا تكتفي بالترفيه، بل تُربّي، سواء أراد أم لم يُرِد.
والسؤال الذي يظل معلقاً: من أجاز هذا؟ ومن يحاسب عليه؟





