
كتب: د. عبد الرحيم ريحان
ترصد حملة الدفاع عن الحضارة المصرية برئاسة الدكتور عبد الرحيم ريحان دراسة نقدية لبحث “أضواء جديدة على الجامع الفاطمي بدير سانت كاترين من خلال وثائق تنشر لأول مرة” إعداد الدكتور أسامة محمد صالح إبراهيم المدير العام بوزارة السياحة والآثار المنشور بمجلة كلية السياحة والفنادق عدد 11 الجزء الرابع يناير 2022 .
يبدأ البحث بمقدمة يعد فيها الباحث بتصحيح المعلومات المغلوطة، واللبث الواضح فيما يخص التأريخ لهذا الجامع وبعض عناصره المعمارية، وما يخص أسباب بنائه داخل الدير، وقراءة وتفسير النصوص الكتابية التي وردت على التحف المنقولة التي اشتمل عليها الجامع.
للوقوف على المنشئ وتاريخ إنشاء المسجد اعتمد الباحث على إعادة دراسة للنص الموجود على كرسي الشمع والمنسوب إلى الجامع الفاطمي بالدير، وهذا النص حفر على الخشب في سطرين، ومضمونه: “البسملة، مما أمر بعمل هذا الشمع والكراسي المباركة والجامع المبارك الذي بالدير الأعلا والثلاث مساجد الذي فوق مناجاة موسى عليه السلام، والجامع الذي فوق جبل دير فاران والمسجد الذي تحت فاران الجديدة والمنارة التي بحصن الساحل الأمير الموفق المنتخب منير الدولة وفارسها أبي منصور أنوشتكين الآمري”.
يذكر الباحث في ص 709: “هذه المساجد وفقًا لما ورد بالنص هي “الجامع الذي بالدير الأعلى”، ويقصد به الجامع القائم حاليا داخل دير سانت كاترين وهو الجامع محل الدراسة، ثم يذكر النص ثلاث مساجد أخرى ويحدد مواقعها”، وأشار إلى الخطأ الذي وقع فيه قنصل إنجلترا في قراءة هذا النص، والذي نقل عنه بعض الباحثين، والذي ترتب عليه خطأ في تقدير عدد المساجد التي تم إنشائها في هذه الفترة كما ورد بالنص الكتابي على كرسي الشمع ليصبح ستة مساجد، حيث قرأ جملة: “والثلاث مساجد التي فوق مناجاة موسى”، وبناء على هذا الخطأ ذهب التفسير إلى وجود ثلاث مساجد أعلى جبل المناجاة.
تفتقر الدراسة لتفسير المصطلحات الواردة في هذا النص ومنها على سبيل المثال الخلط بين مصطلح “الجامع والمسجد”، وهو أمر لم ينبه عليه الباحث، ولم يفرد له المساحة الواجبة في دراسة الغرض الوظيفي الذي يشير إليه كل مصطلح منهما، ولم يقدم تفسيرًا لماذا ذكر جامع الدير منفردًا، والمساجد الثلاث مجتمعة، في حين أنه ذكر من بينها ما يحمل مصطلح جامع، وهو الجامع الذي فوق جبل دير فاران.
ركز الباحث على خطأ واحد في قراءة رابينو، بالرغم أنه لم يكن الخطأ الوحيد الذي وقع فيه رابينو فقد قرأ كلمة: “بحصن” خطأ “بحصر”، وقرأ كلمة: “الآمري” خطأ: “الأميري”، وهذه القراءة التي جانبها الصواب تؤدي بالأحرى إلى افتراضات خاطئة، وتفقد النص جزء من محتواه، وتوفر معلومات مضللة، ولا يقل التنبيه عليها أهمية عن الخطأ الذي ركز عليه الباحث.
الدراسات السابقة أكثر عمقًا
لم يشر الباحث إلى الدراسات السابقة عليه والتي كانت أكثر عمقًا وتوسعًا في دراسة هذا النص من ناحية الشكل والمضمون، ومنها على سبيل المثال:
د. أحمد عيسى في بحثه بعنوان: “المسجد الفاطمي بدير القديسة كاترين بسيناء”، مجلة كلية الآداب، جامعة سوهاج، ع 24، ج 1، 2001م.
د. محمود محمد محمد إدريس، العمائر الدينية الباقية في محافظة جنوب سيناء حتى نهاية العصر الأيوبي، ماجستير، كلية الآثار، جامعة القاهرة، 2011م.
يحدد الباحث الفترة الزمنية التي أقيمت فيها هذه المنشآت الدينية بناءً على الكتابات الموجودة على كرسي الشمع، والنص المسجل على الحشوة الخشبية أعلى باب المقدم بالمنبر الخشبي بالجامع الفاطمي بالدير، والذي بالمناسبة يعتبر المنبر ضمن التحف المنقولة بالجامع، وينسب هذه الأعمال إلى الأمير أنوشتكين الآمري أو الأفضلي، وهو أمر سبقه إليه عدد من الباحثين ولم يقدم أو يضيف أي جديد في هذا الباب.
يقدم الباحث وصفًا للجامع الفاطمي لا يضيف فيه جديدًا، ويصل إلى وصف المئذنة فيخلص إلى نتيجة مبكرة فيذكر: “وكان الاعتقاد السائد لدى جميع الباحثين ممن تناولوا هذا المسجد بالوصف والتأريخ أن مئذنة الجامع ترجع إلى العصر الفاطمي من عصر إنشاء الجامع، حتى وفقني الله سبحانه وتعالى في التوصل إلى تاريخ بناء هذه المئذنة وكذلك اسم بانيها، وذلك من خلال إحدى الوثائق التي يتم تناولها لأول مرة، وهي الوثيقة المحفوظة بمكتبة دير سانت كاترين وتحمل رقم 933”.
يورد الباحث نص الوثيقة ليؤكد على النتيجة التي ذهب إليها، وفي هذا السبيل أغفل الباحث تماما الدراسة الدبلوماتية لهذه الوثيقة، والتي كما ذكر تنشر لأول مرة، وهو أمر كان يجب على الباحث مراعاته في نشر وثيقة بهذه الأهمية لأول مرة، ولم يقم الباحث بنشر نص الوثيقة كاملًا واكتفى بمتن الوثيقة فقط، وبعدها يذكر: “ذيلت الوثيقة بأسماء عدد كبير من الشهود المسلمين”، ولم يذكر من أسماء هؤلاء الشهود غير اسم عبد الله الحنفي إمام مسجد دير طور سيناء، وبكر بن عبد الله النائب والمتولي بالطور المبارك، على الرغم من أهمية هذه الأسماء والتي تعد سجل جامع لأسماء شيوخ القبائل في هذه الفترة، والتي كما ورد بالوثيقة سبق اسم كل واحد منهم لقب “الشيخ”.
وثائق الكشف
يمكن تصنيف هذه الوثيقة ضمن وثائق الكشف، وورد بها تاريخ زيارة الأمير الردادي في شهر شعبان سنة 700هـ، والغرض من هذه الزيارة وهو الكشف عن الجامع المبارك بالدير، والكشف عن سيرة الرهبان مع المسلمين. يجزم الباحث على أن: “مئذنة الجامع الفاطمي الموجود داخل الدير بنيت عام 700هـ، …، وأن الذي قام ببنائها هو الأمير سيف الدين محمد الردادي”، والنص التي استند عليه الباحث من الوثيقة السابقة هو: “ووجد الأذان على سطح الجامع فرفع المادنه وبناها، الجناب الكريم السيفي الردادي وعلاها في الهوى حتى بقيت من برى تبان”.
تمتاز وثائق الكشف بشكل عام باختيار الألفاظ المستخدمة بها حتى تصف واقع الحال بدقة، وهذا ما نعاينه في هذه الوثيقة، فتصف أن الأذان يرفع من فوق سطح المسجد، وحتى يعالج هذا الأمر، ويرفع الأذان مرة أخرى من فوق المئذنة، قام برفع المئذنة وبناها، أي أن المئذنة كانت قائمة في هذا الوقت، وما قام به الأمير هو رفعه المئذنة، بغرض تعليتها، وبناء هذا الجزء، ويؤكد على هذا ما ذكر في باقي الوصف، أنها أصبحت بعد هذه التعلية في الهواء أصبحت ظاهرة من خارج الدير، ويظهر من هذه العمارة التي قام بها الأمير الردادي أنه التزم فيها بشكل المآذن المبنية على الطراز الفاطمي.
تظهر الأدلة المعمارية التي ذكرها الباحثون في وصف المئذنة والتي تتكون من طابقين، أن الطابق الأول بها يختلف في مادة البناء عن الطابق الثاني، وأن الطابق الأول مربع المسقط تقريبًا، وتميل جدرانه إلى الداخل كلما ارتفع البناء، والطابق الثاني مربع المسقط وطول ضلعه أقل من الطابق الأول، ويغطيه قبة صغيرة نصف كروية الشكل، من هذا الوصف يتضح أن أساس المئذنة والطابق الأسفل منها محتفظ بأصوله الفاطمية، وأن التعلية في الطابق الثاني كانت مملوكية، وهذا لا يقطع بأنها مئذنة مملوكية، وهي بهذا تماثل مئذنتي جامع الحاكم والتي جرت عليهما بعض التعديلات في العصر المملوكي اقتضتها الضرورة وقتها.
لم يقدم الباحث أي ترجمة للأمير محمد الردادي مع العلم أن كتب التراجم والوفيات ذكر بها بعض الأسماء التي من الممكن أن تكون مفيدة في التعريف بهذا الأمير، ويذكر الباحث أن اسم هذا الأمير ذكر في مرسوم مؤرخ بالثامن من جمادى الأولى عام 701هـ، وطبعت خطأ سنة 901هـ، ولم يورد من هذه الوثيقة غير ألقابه، والأمر بحسن معاملة الرهبان، ويشير في موضع أخر أن الوثيقة تؤكد على حماية الرهبان وعدم التعرض لهم ولا إلى دير أو بيعة.
في إطار الدراسة استشهد الباحث بعدد من الوثائق لها علاقة بالجامع الفاطمي، تعود أغلبها إلى العصر المملوكي، وباستثناء الوثيقة الأولى والتي قام بنشر متنها والمؤرخة بسنة 700هـ، لم تذكر أي من هذه الوثائق عمارة الجامع، وأغلبها يعني بتنظيم العلاقة بين الدير والعاملين بالمسجد، ورغم أهمية هذه الوثائق إلا أن الباحث أتى على مضمونها دون دراستها، واستخلاص المعلومات منها، على سبيل المثال الوظائف التي كانت مكلفة بالعمل في الجامع ومنهم: الإمام، والمؤذن، والبواب.
معلومات لا تقدم جديدًا
يعود الباحث فيستطرد في معلومات لا تقدم جديدًا عن سبب بناء الجامع داخل الدير، وعلاقة الدير بطريق الحج مما يخرج عن موضوع البحث.
ونهاية فإن الباحث لم يقدم أي إضاءة جديدة في مجال الدراسة الأثرية المعمارية للجامع الفاطمي بدير سانت كاترين، وقدم معلومات وردت لدى باحثين آخرين، والإضافة الوحيدة فيما يخص المئذنة أراد فيها تأويل ما جاء بالوثيقة ليتماشى مع ما ذهب إليه، دون إجراء دراسة حقيقة للخروج بنتائج مطمئنة تركن إلى الحقائق، والاجتهاد في الرأي، كما تكرر لديه الاستطراد البعيد عن موضوع البحث دون الوصول إلى نتائج حقيقة، والغرض هو ذكر أكبر عدد من الوثائق دون الاستفادة الحقيقية منها التي تخدم البحث، وتثري مجال الدراسات الأثرية.



