
كتب: د. عبد الرحيم ريحان
تشير الروايات التاريخية إلى أن انتشار الكلاب في المدن المصرية خلال العصر المملوكي كان يمثل مصدر إزعاجٍ وخطرٍ على السكان، سواءً من حيث الضوضاء الناتجة عن نباحها أو من حيث ما قد تنقله من أمراضٍ معدية، وقد كان من أبرز تلك الأمراض داء السعار، الذي عُرف بخطورته منذ القدم لما يسببه من وفياتٍ وإصاباتٍ خطيرة بين البشر والحيوانات على السواء، ومن ثمّ دفعت هذه الأخطار الدولة إلى إصدار مراسيم تنظيمية تهدف إلى الحد من انتشار الكلاب الضالة في البيئة الحضرية.
وفى هذا الصدد تشير الباحثة أحلام السيد الشوربجى باحثة دكتوراه فى التاريخ الإسلامى إلى أنه في عام 727هـ / 1326م صدر مرسوم يقضي بقتل الكلاب المنتشرة في الديار المصرية، وهو إجراء يعكس حجم المشكلة التي كانت تمثلها هذه الحيوانات في ذلك الوقت، ولم تقتصر هذه التدابير على هذا القرار فحسب، بل تكررت الإجراءات في فتراتٍ لاحقة؛ إذ تشير المصادر إلى أنه في عام 781هـ / 1379م أصدر الأمير “بركة” أمرًا يقضي بأن يأتي كل أمير بعددٍ معين من الكلاب المنتشرة في الشوارع والأزقة، كما أُلزم أهل الضواحي وأصحاب الحوانيت بالمشاركة في جمعها، وقد بلغت أعداد الكلاب التي جُمعت آنذاك نحو ثلاثين ألف كلب، وهو رقم يعكس مدى انتشارها في المجال الحضري.
وقد تنوعت طرق التعامل مع هذه الكلاب بين القتل والنفي؛ إذ نُفي بعضُها إلى منطقة الجيزة الواقعة على الضفة الغربية لنهر النيل، حيث يفصل النهر بينها وبين مدينة القاهرة، الأمر الذي كان يُصعّب عودتها مرة أخرى إلى المدينة، كما بيع بعض هذه الكلاب بدرهمٍ واحد للكلب، وهو ما يشير إلى محاولة الاستفادة منها بطرقٍ مختلفة بدل تركها منتشرة في الشوارع.
وتنوه الباحثة أحلام الشوربجى إلى أن الهدف من هذه الإجراءات لم يكن مجرد التخلص من الكلاب، بل كان يرتبط بجملةٍ من الاعتبارات الصحية والبيئية، فقد كانت الكلاب الضالة مصدرًا للتلوث السمعي نتيجة نباحها المستمر، فضلًا عن كونها ناقلًا محتملًا للأمراض، كما كانت هذه الكلاب تُشكل خطرًا على المارة، إذ قد تعترض طريقهم أو تهاجمهم، فضلاً عن إضرارها بالممتلكات والثروات الحيوانية، ولا سيما الدواجن والحيوانات الصغيرة، يضاف إلى ذلك ما تتركه هذه الحيوانات من مخلفات وروث يؤدي إلى تلوث البيئة الحضرية ويؤثر في نظافة المدن.
رغم أن الكلاب جزء من النظام البيئي الحضري، فإن الزيادة غير المنضبطة في أعدادها قد تؤدي إلى اختلال هذا التوازن، إذ قد تهاجم بعض الحيوانات الصغيرة أو الطيور، مما يؤثر في التنوع الحيوي داخل البيئة الحضرية.
وأدى تزايد أعداد الكلاب الضالة في العصر الحديث إلى ظهور نقاشات مجتمعية واسعة حول أفضل السبل للتعامل مع هذه الظاهرة، فبينما تدعو بعض الجهات إلى تقليل أعدادها بوسائل حازمة، تؤكد جمعيات الرفق بالحيوان ضرورة اتباع حلول أكثر إنسانية، مثل برامج التعقيم والتطعيم وإنشاء ملاجئ للحيوانات، بما يحقق التوازن بين حماية الإنسان والحفاظ على حقوق الحيوان.
إن مشكلة انتشار الكلاب الضالة ليست ظاهرة محلية فحسب، بل هي قضية تواجه كثيرًا من المدن في العالم، وتتطلب معالجة متوازنة تجمع بين الاعتبارات الصحية والبيئية والإنسانية، ومن ثم فإن الحلول الفعالة تعتمد على التعاون بين الجهات الحكومية والمجتمع المدني من أجل تنظيم أعداد هذه الحيوانات والحد من مخاطرها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المعايير الإنسانية في التعامل معها.
كلاب الصيد
توضح الباحثة أحلام الشوربجى أن هذه الصورة السلبية للكلاب الضالة لم تكن تعني رفض الكلاب على إطلاقها؛ إذ احتلت الكلاب المخصصة للصيد مكانةً مختلفة تمامًا في المجتمع المملوكي، فقد حظيت هذه الكلاب بعنايةٍ خاصة من قبل السلاطين والأمراء، وخرجت بذلك من دائرة الإجراءات التي كانت تُتخذ ضد الكلاب الضالة، وكانت كلاب الصيد تُعامل معاملةً متميزة، إذ كانت تُربّى في أماكن مخصصة وتلقى رعاية صحية وغذائية خاصة، الأمر الذي جعلها بعيدة عن الأمراض والأوبئة التي قد تنتشر بين الحيوانات الأخرى.
وقد عُرف عن الكلاب المصرية أنها أقل جرأةً في الصيد مقارنةً ببعض السلالات الأخرى، وهو ما دفع سلاطين المماليك إلى الاستعانة بالكلاب السلوقية المشهورة بمهارتها في الصيد وسرعتها الفائقة، وكانت هذه الكلاب تُجلب إلى مصر عن طريق الشراء أو تُهدى إلى السلاطين من قبل الأمراء والولاة. وتشير المصادر إلى أن الأمير “بيدمر” نائب الشام أهدى السلطان “الظاهر بيبرس” ثلاثة عشر كلبًا سلوقيًا، وهو ما يعكس قيمة هذه السلالة وأهميتها في بلاط السلاطين.
وقد بلغ اهتمام المماليك بكلاب الصيد حدًا كبيرًا، إذ خُصصت لها أماكن خاصة عُرفت باسم “الشكارخانة”، وهي مؤسسات كانت تُعنى بتربية حيوانات الصيد من كلاب وطيور. كما خُصصت لها مطاعم خاصة وعمال مختصون بخدمتها عُرفوا باسم “الكلابزية”، وكانوا مسؤولين عن رعايتها وتدريبها، وقد نال هؤلاء العاملون عناية السلاطين وعطاياهم تقديرًا للدور الذي كانوا يؤدونه في خدمة بلاط الحكم، بل تشير بعض الروايات إلى أن بعض كلاب الصيد كانت تُزيَّن بأطواقٍ من الذهب، وأن خدمًا من العبيد كانوا يُكلَّفون بالعناية بها.
وتكشف هذه المفارقة بين معاملة الكلاب الضالة وكلاب الصيد عن طبيعة النظرة الوظيفية للحيوان في المجتمعات التاريخية؛ إذ كانت قيمة الحيوان تُحدد إلى حدٍّ كبير بمدى فائدته للإنسان، فالكلاب الضالة التي تُشكل خطرًا على المجتمع كانت تُقابل بإجراءات صارمة تهدف إلى الحد من انتشارها، في حين كانت الكلاب النافعة، مثل كلاب الصيد، تحظى بالرعاية والاهتمام.
وعند مقارنة هذه الظاهرة التاريخية بالواقع المعاصر، يتضح أن قضية انتشار الكلاب الضالة ما تزال تمثل تحديًا في كثيرٍ من المدن، ولا سيما في بعض الدول النامية، ففي مصر اليوم، كما في غيرها من البلدان، يُلاحظ تزايد أعداد الكلاب الضالة في الشوارع والميادين، الأمر الذي يثير مخاوف السكان من انتشار الأمراض أو التعرض لهجماتٍ مفاجئة، كما أن هذه الظاهرة تُثير جدلًا مستمرًا بين دعاة حماية الحيوان من جهة، وأنصار الإجراءات الصارمة للحد من انتشار الكلاب من جهةٍ أخرى.
التجربة المملوكية
تختتم الباحثة أحلام الشوربجى بأن التجربة التاريخية للعصر المملوكي تظهر أن المجتمعات القديمة كانت تدرك ضرورة التدخل لتنظيم العلاقة بين الإنسان والحيوان في المجال الحضري، غير أن التحدي في العصر الحديث يتمثل في إيجاد حلولٍ متوازنة تراعي الجوانب الصحية والبيئية من جهة، وتلتزم في الوقت نفسه بالمعايير الإنسانية في التعامل مع الحيوانات من جهةٍ أخرى، ومن بين الحلول التي تُطرح في الوقت الحاضر برامج التعقيم والتطعيم، وإنشاء ملاجئ للحيوانات، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي بأهمية التعامل المسؤول مع الحيوانات.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن دراسة التجارب التاريخية في إدارة الظواهر البيئية، مثل انتشار الكلاب في المدن، تسهم في فهم أعمق للتحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، كما تُبرز أن قضايا الصحة العامة والبيئة الحضرية ليست ظواهر حديثة، بل هي مشكلات رافقت تطور المدن عبر العصور، واختلفت أساليب التعامل معها تبعًا للظروف الاجتماعية والثقافية لكل عصر.




