أتقدم بالاعتذار لكل من يسيؤه المقال -إذا تفضل وقرأه- إذا لم يجده عميقًا العمق الذي ينشده، فلا أتحدث عن آخر البلاغات المقدمة للنائب العام، ولا عن آخر صيحات العنف والجنون، ولا عن الصيف الحارق. بل أتحدث عن الفن وحده موضوعًا للمقال.

سبق وأن كتبت سلسلة من المقالات عن أم كلثوم، وبالقطع سيدور في ذهن من يقرأ؛ ألا شغل يشغل الكاتب إلا أم كلثوم، ونحن في ظلال الحروب والغلاء والدنيا تنهار وتزداد سعيرًا؟
وأعدّ هذا السؤال نوعًا من البديهيات في عصرنا الحالي، فكما أشرتُ في مقال سابق أن رفاهية التفكير بمثل هذه الأمور لا تمتّ للفرد المصريّ بصلة، فالدنيا تشتعل وأنا أتحدث عن فن قديم!ّ
ولا يسعني -أنا المرفّه- إلا الحديث مرارًا عن أم كلثوم وسواها من أعلام مصر، نحن نصرّ أن نبقى حيوانات بشرية تأكل وتشرب وتنكح وتعيد الدورة، لا مجال للروح ولا لمتعتها وغذائها، حيوانات لا تملك من حياتها ونهضتها شيئًا، ولا تدرك ما يضيع منا من تراث ومجد بنيناه والآن نلقيه جانبًا.
في جحيم الحرب العالمية الثانية، لم تتوقف الفنون لحظة -سوى أثناء القصف الشديد- ظلّت المسارح ودور السينما عامرة بكافة الفنون والإبداع.
ما أريد تلخيصه هو أننا لدينا تراث بديع عتيق، إذا أهملناه ضعنا، فما من أمة تستحق الكرامة والإيباء إذا أهملت ما قدمته من أمجاد وحضارة.
كثيرٌ من الكلام وقليلٌ من الطرب
لا يجهل أحد أم كلثوم، فهي الهرم الرابع لمصر التي لا تأتي سيرتها إلا به، مسيرة طويلة أعطت وأكرمت، ولم يبقَ منها سوى آخر ثلاثة عقود من الوصلات – سوى بعض الاسطوانات من تسجيل الأستوديو.
تملك مصر أكبر أرشيف إذاعي لكافة الصوتيات في الوطن العربي، من أغانٍ وسهرات. تفخر الإذاعة بذلك وتهتف ليل نهار -قليلٌ من الكلام، مزيدٌ من الطرب- ولا نجد سوى الكلام.
ولا نجد سوى وصلات بعينها تلف وتدور في إذاعتها، ربما أذاعوا نفس الوصلة لأغنية كل شهر!
وأعود وأسأل، إذا كنا نملك تراث أم كلثوم وغيرها من المطربين، أين ذلك التراث؟ هل تلفت أشرطته؟ أم هو حكرٌ لأناس دون غيرهم؟
أكبر مشكلة تواجهنا الآن أن التراث الصوتي أشد هشاشة وحساسية مقارنة بباقي أشكاله، فقد ترى توثيق الحفلة والمقال الذي تحدث عنه بصوره منشورًا في مجلة واصفًا الأجواء والأداء وتفاعل الجمهور، بينما الصوت وحده -وهو الشاهد المؤكد على كل شيء- قد قُذف في العدم.
أم كلثوم ليست فقط أنت عمري وألف ليلة وليلة، كما عبد الوهاب ليس فكروني ودارت الأيام. بينما عبد الحليم حافظ أوفر الثلاثة حظًا فتذاع له معظم حفلاته الإذاعية والمصورة.
الخميس الأول من كل شهر
في سبتمبر الماضي بدأت الإذاعة بإذاعة حفلات نادرة تذاع لأول مرة.
ولا أملك كل الحق في نقدهم فكما يقصرون في مواضع يحسنون في مواضع أخرى، كما الحفلات الساهرة الكبرى لشتى المطربين النادرة.
-ورغم ذلك، هناك أغانٍ لكافة المطربين والمطربات بشكل عام لا تتعدى الثلاث أو الأربع دقائق بدلًا من إذاعة تسجيلها الاستوديو يذيعونها من الأفلام، كفقرة محمد فوزي، ليلى مراد، محمد عبد الوهاب. وعلى الجانب الآخر تذاع بعضٌ من تسجيلات الاستوديو لآخرين كاملة. فلما هذا التأرجح؟-
وسأعود لاحقًا لأبين سبب عدم نقدي الكامل لهم.
ككل محبي أم كلثوم تحمست للخبر وانتظرت الحفل النادر، وتأتي الخيبة كل شهر، حفلات خارجية متوفرة على الإنترنت والمنتديات، تعلل الإذاعة وعامليها بالجودة العالية التي حرصوا على تقديمها، ولكن الجودة ليست بالرائعة، بل أحيانًا تأتي الجودة سيئة كما في حفل سينما دمشق في وصلة ذكريات التي أذاعوها.
وأتساءل عن مفهوم الندرة عندهم، هل لأنها تذاع لأول مرة على الموجات -لا على الإطلاق- تعد نادرة؟ وهل المصدر أصلًا من أرشيف الإذاعة؟
تذيع الإذاعة الحفلات الأربعينية القليلة المعروفة وهي بجودة عالية بل وبمقاطع نادرة غير مسجلة عند الهواة، وهكذا الحفلات الخمسينية حتى أوائل عام 1973.
فلما الفارق إذن لو كان كل المذاع من الأرشيف؟ أم أنها من تسجيلات الهواة وقد تكاسل العاملون عن البحث الدقيق؟
المفقودات
أحصر للقارئ أهم المفقودات التي لم تصل إلينا.
- كل الأحبة أتنين أتنين: غنتها أم كلثوم في منتصف الأربعينات، عين الفترة التي غنت فيها الوصلات التي وصلت إلينا. ولم تبقَ منها سوى النوتات التي أعادت بعض المطربات غناءها، لا الحفلات ولا الاستوديو متوفرين.
- قصيدة النيل لأحمد شوقي: 3 فبراير 1949، متوفر من ذلك الحفل فقط قصيدة أذكريني -للمرة الأخيرة- وأغنية غلبت أصالح في روحي، فأين قصيدة النيل التي بدأت بها الحفل كما زعم الموثقون؟
- يا ظالمني (الأولى): تملك الإذاعة الوصلة كاملة بل وحصل عليها العديد من هواة التسجيلات فلما لا تذاع؟
- رق الحبيب (الأولى وسائر حفلات الأربعينات): كانت رق الحبيب ضجة الأربعينات وذروة ما وصل إليه القصبجي، غنتها ما يقرب من 200 مرة كما يزعم البعض، لم تصل إلينا من الأربعينات سوى حفل نادي الأهلي عام 1944 -غير الكامل- والخمسينات سوى أربع وصلات.
- غلبت أصالح (الأولي وسائر حفلات عام 1948)
- أنا وأنت وأنت وأنا: كلمات بيرم التونسي وألحان زكريا أحمد.
- هلّت ليالي القمر: غنتها كثيرًا ولم تصل إلينا إلا النسخة الوحيدة المعروفة. تسجيل الأستوديو متوفر.
- غنى الربيع: كما حال هلّت ليالي القمر.
- أغاني الثلاثينات وقصائدها ومونولوجات وطقاطيق القصبجي في الثلاثينات والأربعينات(المدفونة؟): ليه تلاوعيني، وصلات أخرى لمونولوج يا قلبي بكرة السفر، مدام تحب بتنكر ليه، يا مجد، وغيرها.
- أفرح يا قلبي: مثال حفل زفاف الأميرة فوزية يوم 29 مارس 1949، غنت فيه مبروك على سموك وسموه (متوفرة) ولا تتوفر من تلك الوصلة إلا ثمان دقائق – تسجيل هواة.
- مونولوج يصعب عليّ: وتلك من أكثر الأغاني المغمورة للقصبجي وآخر ألحانه ومن نظم أحمد رامي.
- حلم: متوفر منها وصلة واحدة فقط.
- أغار من نسمة الجنوب: لا توجد سوى حفلتين وتقول الإذاعة أن الثانية هي الأخيرة، رغم أنه توجد توثيقات لحفلات أخرى غنت فيها أم كلثوم.
- ثورة الشك: وصلة وحيدة متوفرة عام 1958، وتوجد من التوثيقات ما تؤكد أنها غنتها أربع مرات أخرى، منها في الإسكندرية. تقول الإذلعة في وصلتها الوحيدة المذاعة أنها كانت المرة الأولى والأخيرة.
وغيرها من الروائع الصوتية والمرئية اندثرت تمامًا.
محتكر الوصلات
لما إذن لا تُعرض مثل تلك الوصلات في الخميس الأول أو في أي يوم؟
ربما لإن الوعي المصري خامد في مثل تلك الحالات فقليل يكترث بأمر النوادر أو المفقود منها، هي أغنية تذاع للطرب وكفى!
والكسل والإهمال لا يأتيان إلا إذا وجدا البيئة المناسبة لهما من فقر الوعي، فربما لذلك وجد العاملون نوعًا من العبث إذا هم اهتموا ببث القديم غير المعروف أو العناية بما نساه الناس فتركوه للموت راضين بتوفير بعض الطاقة لشؤون أخرى.
ماذا عن شرائط الحفلات؟ لا تملكها الإذاعة؟ من المستحيل الجزم المطلق بذلك، فالإذاعة كما وضحتُ سابقًا لا تُعطي ردًا صريحًا. فدعنا نجزم هذه المرة أنها لا تذاع لسائر الناس.
نشرت الإذاعة في ثاني أيام عيد الفطر إعلانًا لإذاعة وصلة أنا في انتظارك حفل نادي الأهلي عام 1944، ولا تتوفر منها سوى أقل من 20 دقيقة، نفاجأ أن الإذاعة غيرت المنشور وأذاعت حفلًا آخر من الحفلات المتوفرة.
هل غلطة؟ أم تدارك لغلطة أبشع؟ حدثت مشادة بين صديق لي سخر من الإذاعة -والأمر للأسف يدعو إلى السخرية المريرة- وبين الأستاذ (أ. ح.) وزعم الثاني أن الوصلة متوفرة في الأرشيف، رد الأول لما لا تذيعونها إذن؟ ولا رد صريح؟
يزعم صديقي ذاك وبعض من الناس -الهواة- أن (أ. ح.) يحتكر وصلات الإذاعة، يأخذ من أكثرها ندرة ويترك للناس الفتات.
وهناك العديد يمجدونه كما كل من وصلوا، تفضل حضرة (أ. ح.) بإذاعة تلك الوصلة شديدة الندرة؟ ولما هناك فضل؟ لما لا يحق لأي مصري أولًا ثم أي مستمع أن يستمتع بتراث بلده وأولاده؟
هل نحن أمام فسادٍ من القوى الناعمة؟ هل ما زلنا نأخذ من الفتات الذي ينعم به الناس الكبار الذين وصلوا؟
حتى أم كلثوم وغيرها صاروا سلعة محتكرة لأيدي ناس عن ناس، كما سأوضح الآن ما أرمي إليه.
تذاع حفلة ما وتحجب أخرى كي لا يتم تسجيلها من الهواة، فالأفضل أن تظل كنزًا مدفونًا لفئة معينة.
مرئيات أم كلثوم والنفط الخليجي
معروف لدى العديد من الناس سعي بعض الدول الخليجية إلى شراء أي تراث لها، كي تعرضه وتذيعه ليل نهار، فإذا كان أصحاب الحضارة غافلين وراضين فلما لا نشتريها منهم؟
وبالفعل نرى على التلفاز العديد من القنوات الكلاسيكية الخليجية تعرض وصلات مصورة -نادرة- لأم كلثوم، أين حصلت عليها؟
من محتكري الوصلات؟ من الأرشيف مباشرة؟ من التراث وأهله غافلين؟
رأيتُ منشورًا ما عن خليجي يعرض آخر ما اشتراه من مقتنيات ليلى مراد النادرة، كيف حصل عليها؟ لما ليست في متحف؟ أليس أبناء مصر أولى بها؟ لا لم تعد كذلك، فقد اشتراها مالكها الجديد.
وقل كذلك في كل الفنون التراثية والمعاصرة المصرية، صارت سلعة سهلة تبتاعها السيولة الخليجية، بينما أبناء النيل نائمون.
واللوم لا يقتصر على الإذاعة فقط بل على الوعي المعطوب لدينا، لا أطلق دعوة صارمة للاستماع إلى أم كلثوم والمطربين القدامى، بل أقول علينا أن ننوع بين المغنى القديم والحديث، بكافة أصنافه، تسنلهم من ذاك كي نثري في الآخر.
فقط علينا أن نفيق قليلًا ونكف عن سباتنا الطويل وندرك أي درجة ما زلنا نخسر فيها ما بناه أسلافنا.
أتقدم بخالص الشكر إلى نور الذي أمدني بالمعلومات اللازمة والتوثيقات لهذا المقال من أرشيفه الخاص ومقتنياته لتراث أم كلثوم وبالصورة التي تتصدر المقال كخلفية له.
زياد تامر




