
بقلم الدكتور قاسم زكي، عضو اتحاد كتاب مصر واتحاد الآثاريين المصريين والرابطة العربية للإعلاميين العلميين
تتجدد بين الحين والآخر مقولة إن مصر تحصل على «نصيب الأسد» من مياه النيل، وكأنها تستأثر بمعظم موارد النهر وتحرم بقية دول الحوض من التنمية. غير أن هذه المقولة تخلط بين ثلاثة أمور مختلفة: مياه الأمطار التي تسقط على حوض النيل، والتدفقات التي تصل إلى مجرى النهر، والحصة المائية المقررة لمصر عند أسوان. كما تتجاهل طبيعة مصر الجغرافية باعتبارها دولة شديدة الجفاف يعتمد أكثر من 98% من مواردها المائية المتجددة تقريبًا على النيل.
وقد أكدت مصر، ردًا على التصريحات الإثيوبية الأخيرة، أن حصولها على 55.5 مليار متر مكعب سنويًا لا يعني استحواذها على معظم مياه الحوض، محذرة من الاعتقاد بأن وجود منابع النيل داخل دولة ما يمنحها حق السيطرة المنفردة على النهر أو التحكم في تدفقاته. فالنهر الدولي ليس ملكًا لدولة المنبع أو المصب، بل مورد مشترك تحكمه قواعد التعاون والانتفاع المنصف والمعقول وعدم التسبب في ضرر ذي شأن.
ماذا تعني حصة مصر؟
تبلغ حصة مصر، وفق اتفاقية مياه النيل لعام 1959، نحو 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، بينما خُصص للسودان 18.5 مليار متر مكعب. واستند الاتفاق إلى متوسط إيراد سنوي عند أسوان قُدّر بنحو 84 مليار متر مكعب، خُصم منه قرابة عشرة مليارات لمواجهة فاقد التبخر والتسرب من بحيرة السد العالي.
لكن هذه الأرقام لا تمثل جميع مياه حوض النيل. فدول المنابع تتلقى كميات هائلة من الأمطار، ويُستهلك معظمها داخل أراضيها في الزراعة المطرية والغابات والمراعي والبحيرات والتبخر، ولا يصل إلى مجرى النيل إلا جزء محدود منها. ولذلك فإن مقارنة حصة مصر بتدفق النهر عند أسوان تختلف تمامًا عن مقارنتها بإجمالي الأمطار والموارد المائية المتاحة داخل دول الحوض.
كما أن 55.5 مليار متر مكعب لم تعد كافية لتلبية احتياجات مصر المتزايدة، مع تجاوز عدد السكان 110 ملايين نسمة، وتراجع نصيب الفرد إلى ما دون حد الفقر المائي البالغ ألف متر مكعب سنويًا. وتسعى مصر إلى سد العجز عن طريق إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وتحلية مياه البحر، وتبطين بعض الترع، وتطوير نظم الري واستيراد كميات كبيرة من الغذاء، وهو ما يمثل استيرادًا غير مباشر لـ«المياه الافتراضية».
اتفاقيات نظمت استخدام النهر
بدأ التنظيم الاتفاقي لمياه النيل قبل أكثر من قرن. ففي اتفاق عام 1902 بين بريطانيا وإثيوبيا، تعهد الإمبراطور منليك الثاني بألا يقيم أو يسمح بإقامة أعمال على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها اعتراض تدفق المياه، إلا بالاتفاق مع بريطانيا وحكومة السودان. وتختلف مصر وإثيوبيا اليوم في تفسير هذا النص ومدى استمراره، لكنه يظل وثيقة تاريخية تؤكد أن مشروعات المنابع لم تكن تُعد شأنًا داخليًا محضًا.
وجاء اتفاق 1929 بين مصر وبريطانيا، نيابة عن عدد من مستعمراتها بشرق أفريقيا، ليعترف باحتياجات مصر المائية ويشترط التشاور بشأن المشروعات التي قد تؤثر في تدفق النيل. غير أن بعض دول المنابع ترى أنها لم تكن أطرافًا مستقلة عند إبرامه.
أما اتفاق 1959 بين مصر والسودان فقد وزع صافي الإيراد المائي بين الدولتين ونظم بناء السد العالي ومشروعات ضبط النهر. لكنه لم يشمل بقية دول الحوض، وهو ما أصبح أحد مصادر الخلاف.
وفي عام 1999 تأسست مبادرة حوض النيل لتوفير إطار للتعاون بين دول النهر. ثم طُرحت اتفاقية عنتيبي، أو الاتفاق الإطاري التعاوني، للتوقيع عام 2010. وتتبنى الاتفاقية مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول والتعاون، لكنها لم تحدد حصصًا مائية، وظل الخلاف قائمًا حول مفهوم «الأمن المائي» وحماية الاستخدامات والحقوق القائمة. وقد رفضت مصر والسودان الصيغة التي اعتبرتا أنها لا توفر ضمانات كافية لدولتي المصب.
وفي عام 2015 وقعت مصر والسودان وإثيوبيا إعلان مبادئ سد النهضة، متضمنًا التعاون، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والاستخدام المنصف والمعقول، وتبادل المعلومات، والاتفاق على قواعد الملء الأول والتشغيل السنوي. إلا أن عدم التوصل إلى اتفاق تفصيلي وملزم بشأن التشغيل، خصوصًا خلال سنوات الجفاف، أبقى الأزمة مفتوحة.
خريطة السدود على النيل
ليست السدود ظاهرة جديدة في حوض النيل. ففي مصر يوجد السد العالي، الذي يحمي البلاد من الفيضانات والجفاف، ويخزن المياه ويولد الكهرباء. وفي السودان توجد سدود الروصيرص وسنار ومروي وخشم القربة، وتستخدم للري وتوليد الطاقة وتنظيم التدفقات.
وفي أوغندا أُقيمت منشآت لتوليد الكهرباء عند مخرج بحيرة فيكتوريا، من بينها نالوبالي وكيرا وبوجاجالي وكاروما. كما توجد مشروعات قائمة أو مقترحة في تنزانيا ورواندا وبوروندي وجنوب السودان، ومنها مشروع سد فولا المقترح على بحر الجبل.
ويظل سد النهضة الإثيوبي أضخم هذه المشروعات وأكثرها إثارة للخلاف، بسعة تخزينية تقارب 74 مليار متر مكعب وقدرة كبيرة على توليد الكهرباء. وتؤكد إثيوبيا أن السد كهرومائي ولا يستهلك المياه، بينما ترى مصر أن ضخامة الخزان وطريقة الملء والتشغيل قد تؤثران في توقيت وصول المياه وكمياتها، خاصة إذا تزامنت إعادة ملء الخزان مع جفاف ممتد.
ليست كل السدود متساوية التأثير
السد الكهرومائي يعيد عادة معظم المياه إلى مجرى النهر، لكنه ليس بلا تأثير؛ إذ يغير توقيت التدفقات، ويرفع فاقد التبخر، ويحجز الرواسب، ويؤثر في النظم البيئية، وقد يتحول أثره إلى خطر خلال الجفاف إذا شُغّل دون تنسيق. أما السدود المخصصة للتوسع الزراعي فتحمل تأثيرًا أكبر لأنها تسحب مياهًا للاستهلاك المباشر.
وفي المقابل، يمكن للسدود المنسقة أن تحقق فوائد مشتركة، مثل توليد الكهرباء، وتقليل الفيضانات، وتحسين الملاحة، والحد من تراكم الطمي. ولذلك لا تعترض مصر من حيث المبدأ على تنمية دول المنابع، وإنما تطالب بالإخطار المسبق، وتبادل البيانات، ودراسة الآثار البيئية والاجتماعية، والاتفاق على قواعد التشغيل.
النيل لا يخضع لمنطق السيطرة
لا تمنح قواعد القانون الدولي مصر حق منع التنمية في دول المنابع، كما لا تمنح إثيوبيا أو غيرها حق فرض أمر واقع على دول المصب. فاتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية تقرر الانتفاع المنصف والمعقول، وعدم إحداث ضرر ذي شأن، والتعاون وتبادل المعلومات والإخطار بالمشروعات المحتمل أن تكون لها آثار عابرة للحدود.
إن أمن مصر المائي لا يتحقق بحرمان الآخرين من الكهرباء والتنمية، لكنه لا يجوز أيضًا أن يصبح ثمنًا لمشروعات تُدار بإرادة منفردة. فالنيل لا يحتاج إلى منتصر ومهزوم، بل إلى اتفاق شامل وملزم يحول السدود من أدوات للتوتر إلى مشروعات للتكامل، ويضمن لدول المنابع حق التنمية، ولدول المصب حق الحياة.
المرجع العلمي (رابط إليكتروني): اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية.




