
عزيز النفس لا يعادي… بل يترك الجمل بما حمل.
هناك أناس يظنون أن العلاقات الإنسانية ميدانٌ لإثبات القوة، وأن من يتراجع خطوة فقد انهزم، ومن يسامح فقد ضعف، ومن يصمت فقد عجز، ومن يترك خصومة فقد خاف. وهكذا تتحول الحياة عندهم إلى سلسلة من المعارك الصغيرة؛ يريدون فيها أن ينتصروا على الآخرين، ولو خسروا في النهاية أنفسهم وراحتهم وقلوب من حولهم.
والأغرب أن بعض هذه المعارك لا تستحق أن تبدأ أصلًا؛ خلاف على كلمة، أو موقف عابر، أو رأي مختلف، أو منافسة لا تستحق كل هذا الغضب. ومع ذلك يُصرّ البعض على تحويلها إلى قضية كرامة، ثم إلى معركة، ثم إلى قطيعة، وربما إلى عداوة طويلة.
وهنا تظهر عظمة النفس التي تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تدافع عن حقها، ومتى تقول ببساطة: “دع الجمل بما حمل.”
فليست كل معركة تستحق أن نخوضها، وليس كل خصم يستحق أن نخاصمه، وليس كل إساءة تستحق أن نرد عليها.
عزة النفس ليست في كثرة الخصومات..
العزة الحقيقية ليست أن تجعل الناس يخشونك، وإنما أن تستغني عن الحاجة إلى إيذائهم حتى تثبت أنك قوي.
يقول الله تعالى:﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].أي تربية أعظم من هذه؟ القرآن لا يعلّمنا الاستسلام للظلم، لكنه يعلّمنا ألا تتحول إساءة الآخرين إلى نسخة أخرى من أخلاقهم داخلنا.
ويقول سبحانه:﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43].فالصبر هنا ليس ضعفًا، والعفو ليس انكسارًا؛ إنما هو قدرة على امتلاك النفس حين يكون الرد سهلًا، والانتقام متاحًا، والصمت أصعب من الكلام.ولذلك قال رسول الله ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
القوة إذن ليست في أن تغلب غيرك، وإنما في ألا يسمح لك غضبك بأن تخسر نفسك.
حين تتحول العلاقات إلى صراع غلبة
المشكلة تبدأ حين يفقد الإنسان معنى العلاقة الإنسانية،فيتعامل مع الآخرين بمنطق: من الأقوى؟ من يفرض رأيه؟ من ينتصر؟ من يملك الكلمة الأخيرة؟
وهذا المنطق يفسد الصداقة، ويفسد الأسرة، ويفسد بيئة العمل، ويجعل المجتمع ساحة مستمرة لتصفية الحسابات.
والحياة لا تستقيم بهذا المنطق.
فالإنسان لا يستطيع أن يعيش وحده، وإنما يحتاج إلى الآخرين؛ يحتاج إلى التعاون، والثقة، والتسامح، وحسن الظن، والقدرة على الاختلاف دون خصومة.
وقد جعل الإسلام السلام أصلًا من أصول التعامل، فقال الله تعالى:﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].وقال سبحانه:
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63].
ولم يقل القرآن: إذا خاطبكم الجاهلون فحطموهم، أو أذلوهم، أو أدخلوا معهم في معركة؛ وإنما قال: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾.وهذه ليست سلبية، بل قمة الرشد.
المؤمن سلامٌ حيثما كان
من أجمل ما في الإسلام أنه لم يجعل التدين شعائر منفصلة عن أخلاق الإنسان مع الناس.
قال رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وقال ﷺ: «والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم».فكلما ازداد الإنسان إيمانًا، ينبغي أن يزداد أمن الناس منه، لا خوفهم منه؛ وأن يصبح وجوده مصدر طمأنينة، لا مصدر توتر وقلق.
ولهذا قال الله تعالى:﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: 62].
والإنسان المؤمن الذي امتلأ قلبه بالله لا يحتاج إلى إثبات ذاته بإهانة أحد، ولا إلى رفع صوته حتى يسمعه الناس، ولا إلى تحطيم منافسيه حتى يشعر بقيمته.
إنه يعرف أن قيمته ليست فيما يقوله الناس عنه، وإنما فيما يعلمه الله منه.﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8].يا لها من قاعدة عظيمة: العزة ليست في إيذاء الناس، وإنما في القرب من الله.
لماذا يتصارع من لا يملك مقومات الصراع؟
أحيانًا يكون وراء الصراع المبالغ فيه شعور داخلي بالنقص؛ فيحاول الإنسان أن يعوض ما يفتقده بالصوت العالي، أو فرض السيطرة، أو التقليل من الآخرين.ومن لا يملك حجة، قد يرفع صوته.
ومن لا يملك إنجازًا، قد يحاول تشويه إنجاز غيره.ومن لا يستطيع أن يصعد بنفسه، قد يحاول أن يسحب الآخرين إلى أسفل.
وهنا تتحول المنافسة الشريفة إلى صراع مَرَضي، ويتحول الاختلاف الطبيعي إلى رغبة في الإقصاء.وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: «ما ناظرت أحدًا قط إلا تمنيت أن يظهر الحق على لسانه».هذه هي أخلاق الكبار.
أما الصغار فيريدون أن يظهروا هم، ولو اختفى الحق.
والعاقل لا يحتاج أن ينتصر في كل نقاش؛ لأن بعض الانتصارات خسارة، وبعض التراجعات نجاة، وبعض الصمت حكمة، وبعض الابتعاد كرامة.
ليس كل انسحاب هزيمة
هناك فرق كبير بين أن ينسحب الإنسان خوفًا، وأن يبتعد احترامًا لنفسه.قد تترك مجلسًا لأن الكلام فيه لا يليق بك.
وقد تنهي علاقة لأن استمرارها يؤذي روحك.وقد تصمت لأن الرد سيحوّل خلافًا عابرًا إلى عداوة.وقد تقول: “سامحك الله” وتمضي.وهذا ليس ضعفًا.
قال الله تعالى:﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].والعجيب أن الآية لم تقف عند كظم الغيظ، بل انتقلت إلى العفو، ثم ختمت بالإحسان…ويقول المتنبي:
إذا أتتك مذمتي من ناقصٍ
فهي الشهادة لي بأني كاملُ
وقد لا يكون من الحكمة دائمًا أن نرد على كل ناقص، لأن الرد أحيانًا يمنحه قيمة لم يكن يملكها.
وقال الإمام علي رضي الله عنه في الحكمة المنسوبة إليه: «إذا تم العقل نقص الكلام».
فليس كل ما نعرفه يحتاج إلى أن نقوله، وليس كل ما نسمعه يحتاج إلى أن نجيب عنه.
“اترك الجمل بما حمل”
هناك حكمة شعبية عميقة تقول: “اترك الجمل بما حمل.”
ومعناها أن بعض الأشياء إذا تجاوزت حدها، فالأفضل أن تتركها وتمضي؛ لأن التعلق بها يستنزف الإنسان أكثر مما يؤذيه الموقف نفسه.وفي حياتنا أشخاص ينبغي ألا نكرههم، وإنما نعرف فقط المسافة الصحيحة بيننا وبينهم.
نحفظ لهم ما كان من جميل، ونعفو عما كان من إساءة، ثم نمضي.فليس مطلوبًا أن تعادي كل من اختلف معك، ولا أن تصادق كل من اقترب منك.
الحكمة أن تعرف من يستحق قلبك، ومن يستحق سلامك، ومن يستحق فقط أن تتركه يمضي.وقد قال الشاعر:ومن يجعل المعروف في غير أهله
يكن حمده ذمًّا عليه ويندمِ
فليس كل الناس سواء، ولا كل العلاقات سواء، ولا كل القلوب تستحق المساحة نفسها.
كيف نعالج هذه الظاهرة؟
العلاج يبدأ من داخل الإنسان قبل أن يبدأ من المجتمع.
أن نتعلم أن الاختلاف لا يعني العداوة، وأن المنافسة لا تعني الكراهية، وأن الاعتذار لا ينقص من قدر صاحبه، وأن التسامح لا يلغي الحقوق.
وأن نربي أبناءنا على أن النجاح ليس أن تسقط من أمامك، وإنما أن ترتفع أنت دون أن تؤذي أحدًا.وأن نتعلم أدب الانسحاب حين يصبح الحوار عبثًا، وأدب الصمت حين يصبح الكلام فتنة، وأدب الاختلاف حين تتباين الآراء.
والأهم أن نستعيد مفهوم الفضل في العلاقات الإنسانية؛ فنفرح لنجاح غيرنا، ونحفظ الجميل، وننزل الناس منازلهم، ولا نحول كل علاقة إلى منافسة على المكانة.قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
فإذا وصل الإنسان إلى هذه المرتبة، سقط نصف الصراع من حياته.
لأنه لن يرى نجاح الآخرين تهديدًا لنجاحه، ولن يرى مكانتهم انتقاصًا من مكانته، ولن يحتاج إلى إطفاء نور أحد حتى يشعر بأنه مضيء.
الكبار لا يكثرون المعارك
الكبار يعرفون أن العمر أقصر من أن يُهدر في الخصومات.
يعرفون أن هناك أشياء أهم من إثبات من كان على حق في نقاش عابر، وأن راحة القلب أثمن من الانتصار في معركة كلامية، وأن العلاقات التي تقوم على الاحترام لا تحتاج إلى كثرة الاختبارات.
وقد قيل:إذا كنتَ في كل الأمور معاتبًا..صديقَكَ لم تلقَ الذي لا تعاتبهوقال الشاعر:وعينُ الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ..ولكن عينَ السخطِ تُبدي المساويا
فليس من الحكمة أن نبحث عن العيوب في الناس حتى نجد ما نخاصمهم عليه.إن الحياة أوسع من ذلك.
وليس أجمل من إنسان يستطيع أن يقول: “كان يمكنني أن أرد، لكنني اخترت السلام.”
وأن يقول: “كان يمكنني أن أخوض المعركة، لكنني اخترت أن أحفظ كرامتي ووقتي وقلبي.”هذه ليست هزيمة.
هذه عزة نفس.
فالإنسان العزيز لا يحتاج إلى أن يكسر أحدًا ليشعر بأنه عزيز، والمؤمن لا يحتاج إلى أن يؤذي أحدًا ليشعر بأنه قوي؛ لأنه يعلم أن العزة من الله، وأن القوة الحقيقية في ضبط النفس، وأن السلام الذي يزرعه في قلوب الناس قد يكون أعظم أثر يتركه في هذه الدنيا.
ليس كل من ابتعد عنك خاسرًا، وليس كل من غلبك منتصرًا.
أحيانًا تكون أعظم انتصارات الإنسان أن لا يدخل المعركة أصلًا.فاحفظ قلبك من الكراهية، ولسانك من الأذى، وكرامتك من الابتذال، واترك ما لا يستحقك يمضي…فالعزيز لا يعادي… بل يترك الجمل بما حمل.اللهم ارزقنا قلوبًا مطمئنة، ونفوسًا عزيزة، وألسنةً طيبة، واجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وانشر بنا السلام حيث كنا.
ا.د / ابراهيم حسينى درويش




