
بقلم: الدكتور قاسم زكي، عضو اتحاد كتاب مصر واتحاد الآثاريين المصريين والرابطة العربية للإعلاميين العلميين
في المتحف الوطني ببيروت، شهد سبتمبر ٢٠٢٦ مراسم تسليم آثار مصرية إلى سفارة مصر، تمهيدًا لإعادتها إلى أرض الوطن. كانت القطع قد ضُبطت في مرفأ بيروت مطلع عام ٢٠٢٠، ثم احتاجت قضيتها إلى سنوات من الفحص والإجراءات والتنسيق بين البلدين. بدت مراسم التسليم خاتمة سعيدة لرحلة طويلة، لكنها تفتح فصلًا جديدًا: ماذا نعرف عن هذه الآثار، وأين ستُحفظ، وكيف سيتمكن الناس من رؤيتها وفهم قصتها؟
آثار تحمل أكثر من حكاية
بحسب التغطية التي رافقت التسليم، تضم المجموعة أقنعة وتوابيت خشبية ومنسوجات قبطية وتعويذات وتماثيل. وقد جذبت الأقنعة المعروضة الأنظار بألوانها وملامحها المرسومة، ومنها قناع ذو وجه مذهّب. لكن النظر إلى الأثر بوصفه تحفة جميلة فقط يحجب جانبًا مهمًا من قيمته. فالمواد التي صُنع منها، وطريقة تشكيله وزخرفته، والرموز التي يحملها، كلها شواهد تساعد الباحثين على فهم حياة المصريين ومعتقداتهم وفنونهم عبر عصور مختلفة.
ويزداد فهمنا للقطعة الأثرية حين نعرف موضع العثور عليها والقطع التي جاورتها وطبقة الأرض التي احتوتها. قد يكشف هذا السياق تاريخ استخدامها أو صلتها بمقبرة أو مكان عبادة أو حياة يومية. أما عندما تُنتزع القطعة من موقعها بلا توثيق، فإنها تحتفظ بشكلها ومادتها، لكنها تفقد بعض المعلومات التي تمنحها معناها. لذلك يُعد الاسترداد إنجازًا ضروريًا لحماية ما بقي من الأثر، فيما تبدأ الحماية الأكمل قبل التهريب: بصون المواقع الأثرية وتوثيق المكتشفات وملاحقة الحفر غير المرخّص.
لماذا استغرقت العودة ست سنوات؟
لم يؤدِّ ضبط الشحنة في مرفأ بيروت إلى تسليمها فورًا. فقد كان لا بد من التحقق من طبيعة القطع وأصالتها، والنظر في المستندات المتعلقة بمصدرها، واستكمال الإجراءات القانونية اللازمة. ونقلت وكالة فرانس برس عن مسؤولة لبنانية أن مشتري المجموعة لم تكن لديه أوراق رسمية من مصر تثبت مصدرها. وتوضح هذه النقطة أن انتقال القطعة بين البائعين والمشترين لا يثبت، في حد ذاته، مشروعية خروجها من بلدها.
تُظهر السنوات التي استغرقتها القضية أن المطالبة باستعادة الأثر تحتاج إلى أدلة وعمل مؤسسي وتعاون بين الدول. ويستحق هذا التعاون بين السلطات المصرية واللبنانية التقدير؛ فقد أتاح الوصول إلى مراسم تسليم رسمية بدل أن تظل القطع حبيسة نزاع طويل أو تختفي مرة أخرى في سوق المقتنيات. وهي تجربة تؤكد أهمية متابعة مسار الأثر منذ ضبطه وحتى عودته الفعلية، لا الاكتفاء بالإعلان عن العثور عليه.
من العودة إلى قاعة العرض
يمثل الاسترداد بداية مرحلة جديدة، لا نهايتها. فالقطع التي تعود بعد سنوات من التنقل تحتاج إلى فحص دقيق لحالتها، ولا سيما المواد الحساسة كالخشب والمنسوجات. وقد يتطلب بعضها ترميمًا قبل إتاحته للعرض. ثم تأتي مهمة توثيق كل قطعة بالصور والوصف والقياسات وما أمكن التوصل إليه من معلومات عن تاريخها ومصدرها. ويساعد نشر هذه البيانات، بالقدر الذي تسمح به الاعتبارات العلمية والأمنية، الباحثين والجمهور على متابعة مصير المجموعة.
ويمكن أن تتحول رحلة هذه الآثار نفسها إلى موضوع متحفي جذاب. فبدل عرض القناع أو التابوت مع تاريخ مختصر فحسب، يستطيع المتحف أن يشرح كيف ضُبط، وكيف جرى التعرف عليه، وما الذي تطلبته إعادته. عندئذٍ يرى الزائر جانبًا من العمل الذي يجري خلف قاعات العرض، ويفهم أن حماية التراث مسؤولية مستمرة تشترك فيها جهات الآثار والجمارك والقضاء والدبلوماسية والمتاحف.
وهذا الشرح مهم للسائح المصري والأجنبي على السواء. فكثير من الزوار يأتون لرؤية آثار مصر، لكنهم يريدون أيضًا معرفة حكاياتها. ويمكن لعرض واضح بلغة عربية ميسّرة وترجمات دقيقة أن يجعل المجموعة المستردة فرصة للتعلم، وأن يبيّن لماذا لا يمكن التعامل مع القطع الأثرية كبضائع منفصلة عن أوطانها وتاريخها. كما يتيح للطلاب والأسر المصرية أن يشعروا بأن خبر الاسترداد يعنيهم، وأن ما عاد من الخارج أصبح متاحًا للمعرفة العامة.
٣٧ أم ٧٤ قطعة؟
تبقى مسألة تحتاج إلى توضيح. فقد نقلت وكالة فرانس برس عن وزير الثقافة اللبناني حديثه عن ٣٧ قطعة ضُبطت عام ٢٠٢٠، بينما أعلن البيان المصري أن السفارة تسلّمت ٧٤ قطعة أثرية. ولا يقدّم المصدران المنشوران تفسيرًا للفارق بين الرقمين. قد تكون هناك تفاصيل تتعلق بطريقة عدّ القطع أو بمكونات المجموعة، لكن الجزم بأي تفسير يتطلب بيانًا من الجهات المختصة.
ومن المفيد نشر قائمة تفصيلية تحدد العدد النهائي، مع وصف موجز لكل قطعة وصورها، إن أمكن. فهذا الإيضاح يخدم دقة التغطية الإعلامية، ويتيح للباحثين متابعة المجموعة من لحظة التسليم إلى الحفظ والترميم والعرض. كما يمنح الجمهور صورة أوضح عن حجم ما استُرد وطبيعته، بعيدًا عن الالتباس الذي قد تصنعه الأرقام المختلفة.
عودة الآثار المصرية من بيروت خبر يستحق الاحتفاء، ونجاح للتعاون بين بلدين تجمعهما روابط ثقافية عميقة. وستكتمل قيمة هذه العودة حين تُوثَّق القطع، وتُحفظ وفق احتياجاتها، وتُروى قصتها للناس. فالقطعة المستردة ليست رقمًا يُضاف إلى حصيلة سنوية؛ إنها شاهد من تاريخ مصر، تستحق أن يعود معها ما أمكن من معرفتها، وأن تجد مكانها مجددًا في وعي الجمهور.
المصادر للتحرير: بيان الهيئة العامة للاستعلامات المصرية؛ تغطية وكالة فرانس برس. sis.gov.eg
***




