آثار وحصون سيناء شاهد على دحر العدو عبر العصور

كتب د. عبد الرحيم ريحان
فى الذكرى 53 لحرب أكتوبر المجيدة أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية أن سيناء مفتاح أمن مصر فمن يسيطر على سيناء يؤمّن قلب الدولة المصرية باعتبارها العمق الاستراتيجي لمصر وحائط الصد الأول الذي يمنع وصول أي تهديد بري مباشر إلى وادي النيل والدلتا حيث تمتص جغرافيتها الوعرة الصدمات العسكرية الأولى.
وتمتلك سيناء ثلاثة خطوط استراتيجية للدفاع عنها، الخط الأول بمحاذاة الحدود السياسية الشرقية لمصر التى تشمل أربع دول هى مصر وفلسطين والأردن والسعودية، الخط الثانى وهو خط المضايق (قلب سيناء) وأهم أقطابه ممر متلا جنوبًا ومضيق الجفجافة شمالًا وهو غير صالح للاختراق إلّا من خلال فتحاته المحدودة والتى تحدد الحركة بين شرق سيناء وغربها، والخط الثالث قناة السويس ذاتها وهى عنق الزجاجة الإستراتيجي إلى سيناء وشريان التجارة العالمي وتضاعفت الأهمية العسكرية لسيناء فأصبح تأمينها مرادفًا لتأمين حركة الملاحة والاقتصاد العالمي وليس الأمن المحلي فحسب.
عدا النهار
واجهت مصر تهديدات منذ طرد أحمس للهكسوس حيث تغيرت العقيدة العسكرية المصرية من البقاء فى الوطن ومواجهة أى تهديدات خارجية إلى عقيدة التأمين الاستباقى وهى توسيع الإمبرطورية المصرية خارج حدودها المعروفة حيث شكّل احتلال الهكسوس هزيمة نفسية وانكسار يشبه نكسة 1967 والتى خلقت روح فدائية وعزيمة على تحقيق النصر شارك فيها جموع الشعب لخدمة المجهود الحربى وقد رسم هذه الأيام العصيبة التى مرت على مصر لوحة فنية محفورة فى ذاكرة التاريخ مؤلفة من كلمات خالدة للأبنودى ولحن بليغ حمدى وغناء العندليب “عدّى النهار والمغربية جايّة تتخفّى ورا ضهر الشجر، وعشان نتوه فى السكة شالِت من ليالينا القمر”
القوى المعادية التى هددت أمن مصر عبر التاريخ وتصدت لها ودحرتها بقوة هم الهكسوس والحيثيين وشعوب البحر والليبيين و البليميون والفرس والملكة زنوبيا ملكة تدمر وقبائل النوبة الجنوبية والصليبيين والمغول والصهاينة، ولعب طريق حورس الحربي بسيناء دورًا عسكريًا في تاريخ مصر القديمة، الذي يُعرف تاريخيًا أيضًا باسم
طريق سيتي الأول
طريق سيتي الأول، كان يمتد من قلعة ثارو في منطقة تل حبوة بسيناء وصولًا إلى كنعان، بطول يقارب 222 كيلومترًا، وضم عددًا من القلاع والتحصينات التي استخدمت لتأمين الحدود المصرية أهمها قلعة ثارو التى كانت تمثل نقطة انطلاق رئيسية للجيوش المصرية المتجهة شرقًا، إلى جانب دورها التجاري، حيث ضمت منشآت عسكرية ومخازن للحبوب وآبار مياه ومساكن للجنود والضباط.، ووثق نقش الملك سيتي الأول بصالة الأعمدة بمعبد الكرنك من وجود 12 قلعة عسكرية على امتداد طريق حورس الحربي بشمال سيناء تعود للأسرتين 18 و19
الإمبرطورية المصرية
توسعت الإمبراطورية المصرية فى عهد أعظم قائد عسكرى فى التاريخ تحتمس الثالث الذى قاد 17 حملة عسكرية رئيسية مسجلة انتهت بالانتصار ولم يُهزم في أي معركة بدأها بمعركة مجدو الشهيرة ضد التحالف الآسيوي، وفى الحملة الثامنة وصل إلى نهر الفرات وغزا بلاد ميتاني، وفى الحملة الأخيرة وصل إلى الشلال الرابع بالنوبة
وقد أجمع المؤرخون العسكريون على أن تحتمس الثالث أول قائد حربى فى التاريخ وضع خطة تقسيم الجيش إلى قلب وجناحين وهو أول من وضع فكرة تكوين مجلس أركان حرب من كبار الضباط للتشاور فى وضع الخطط الحربية وامتدت الإمبراطورية فى عهده جنوبًا حتى الشلال الرابع ببلاد النوبة وشمالاً وشرقًا حتى مناطق آشور وشمال سوريا ولبنان وبلاد النهرين (العراق) ومملكة بابل وخيتا وجميع موانئ البحر المتوسط الواقعة فى مناطق سوريا ولبنان وفلسطين أصبحت قواعد حربية لجيوشه .
الخطة الحربية التى وضعها تحتمس الثالث لنقل سفنه الحربية نقلاً بريًا وهى مجزأة كقطع مفككة وأجزاء قابلة للتركيب السريع والتجهيز الفورى حتى يتمكن من العبور بها فى نهر الفرات والوصول بجيشه لبلاد النهرين لضمها للإمبراطورية المصرية خطة غير مسبوقة فى التاريخ العسكرى هى التى أوحت إلى القائد العسكرى مونتجومرى بخطة نقل سفن العبور الحربية برًا من فرنسا إلى ألمانيا حتى وصل بها إلى الأماكن المحددة لعبور قواته نهر الراين أثناء الحرب العالمية الثانية .
ومن خطط تحتمس الثالث أخذ أبناء أمراء وحكام وملوك البلاد التى فتحها كرهائن وإرسالهم معززين مكرمين إلى مصر لتنشئتهم وتعليمهم بالمدارس المصرية وتربيتهم طبقاً للتقاليد والعادات والثقافة والأخلاق المصرية ليصبحوا مجهزين سياسياً لحكم بلادهم حين يؤول إليهم الأمر وفى أعناقهم هذا الدين الحضارى لمصر طبقتها الإمبراطورية البريطانية فى الهند وفى معظم المستعمرات التى كانت خاضعة لهم حيث أجبرت أبناء الأمراء والحكام وعلية القوم على الالتحاق بالكليات الإنجليزية لينهلوا من الثقافة البريطانية وينشئوا على تمجيد بريطانيا العظمى .
تهديدات الفرس
واجت مصر فى العصر الرومانى تهديدات من مملكة تدمر حيث قادت الملكة زنوبيا ثورة وانفصالاً عن روما واحتل جيش تدمر مصر في عام 269م لفترة وجيزة قبل أن يقمعها الإمبراطور أوريليانوس، والبليميون Blemmyes قبائل بدوية ورعوية قطنت جنوب الصحراء الشرقية وبين النيل والبحر الأحمر شنت إغارات واسعة ومتكررة على طرق التجارة والحاميات الرومانية ومدن الصعيد خاصة في القرن الثاني والثالث الميلاديين والإمبراطورية الساسانية (الفرس) حين شن الفرس هجومًا واسعًا على المشرق ومصر وحاصروا الإسكندرية واحتلوا مصر عشر سنوات من 618–628 م) واستردها الإمبراطور هرقل القوى والقبائل الحدودية المهددة وقبائل النوبة الجنوبية التى شكلت تهديدًا للحدود الجنوبية عند أسوان مما دفع الرومان لتحصين الحدود بعناية مثلما حدث في عهد دقلديانوس.
حصون سيناء البيزنطية
كانت أديرة وقلاع سيناء حصونًا عسكرية دافعت عن مصر عن طريق بوابتها الشرقية وحمتها من غزو الفرس والصليبيين ومنها دير الوادي بطور سيناء ودير سانت كاترين والحصن البيزنطي بجزيرة فرعون وحصن رأس راية بطور سيناء وفى العصر الإسلامى قلعة صلاح الدين بطابا وقلعته برأس سدر وحصن الطينة بشمال سيناء.
وأن مصر بقيادة قطز خليفة المسلمين والقائد بيبرس مساعده 1260م حمت مصر والعالم الإسلامى كله من غزو المغول بعد اختراق شمال سيناء والوصول سريعًا ثم واصل الجيش مسيرته شمالاً حتى التقى بجيش المغول بقيادة “كتبغا” في سهل عين جالوت (بين بيسان ونابلس في فلسطين) وهناك سحق المماليك الجيش المغولي تمامًا في معركة غيّرت مجرى التاريخ وحمت مصر والعالم الإسلامي من الفناء.
وما زالت الآثار المصرية القديمة والرومانية والمسيحية شاهدة على هذه الانتصارات ومنها قلاع طريق حورس وقلعة الفرما الرومانية والأديرة المحصّنة مثل دير سانت كاترين ودير الوادى بطور سيناء والقلاع الإسلامية بسيناء مثل قلعة حصن الطينة وقلعة الجندى وقلعة صلاح الدين بطابا




