تحقيقات و ملفات

منصات الموت العلني.. حين يتحول الانتحار في مصر إلى “عرض مباشر”

إعداد: منصور عبد المنعم 

 عندما يغادر الحظ غرفة المظلمة إلى النور

لم يعد الانتحار في مصر مجرد فعل فردي صامت يُطوى في كتمان الغرف المغلقة أو يُخفي الأهالي تفاصيله خجلاً أو خوفاً؛ بل شهدت السنوات الأخيرة تحولاً مقلقاً ودراماتيكياً، إذ خرج الموت من عتمة العزلة إلى ضوء الهواتف الذكية وعدسات الكاميرات.

تحت وطأة ضغوط نفسية واقتصادية طاحنة، ورغبة جامحة في ترك “رسالة أخيرة” لا يمكن لأحد تجاهلها، تحولت منصات التواصل الاجتماعي (تيك توك، فيسبوك، وإنستغرام) إلى مسارح مفتوحة تُبث عبرها لحظات إنهاء الحياة بالصوت والصورة، في ظاهرة باتت تُعرف إعلامياً واجتماعياً بـ”الانتحار عبر البث المباشر”.

 الكاميرا تعمل.. والموت على الهواء

في شهور سابقة ومتابعات متفرقة لعدة وقائع هزت الرأي العام المصري، تكرر السيناريو المفجع: شاب يجهز حبل المشنقة، فتاة تواجه أزمة عاطفية حادة أو تنمراً إلكترونياً قاسياً، أو صانع محتوى يمر بحالة انهيار، فيقوم بفتح خاصية “البث المباشر” (Live)، موجهاً نظراته الأخيرة نحو شاشة الهاتف، لا ليطلب المساعدة، بل ليوثق لحظة رحيله أمام مئات أو آلاف المتابعين.

تحليلات خبراء علم النفس السلوكي تشير إلى أن هذا التحول يعكس رغبة عميقة في “الاحتجاج الصاخب” والانتقام المعنوي من مجتمع أو محيط عائلي وعاطفي بدا أصماً أمام صرخات الاستغاثة الصامتة. الشاشة هنا لا تسجل الحدث فحسب، بل تصبح شريكاً وشاهداً جماهيرياً يتحول أحياناً -في مشهد عبثي ومؤلم- إلى ممرر لتعليقات سلبية أو مشجعة، مما يضاعف من خطورة المشهد الإجمالي.

الأرقام والدلالات: أين قفز مؤشر الأزمة؟

بالاستناد إلى البيانات الرسمية والدولية ذات الصلة بالملف النفسي والاجتماعي في مصر:

  • تشير تقارير منظمة الصحة العالمية والجهات الرسمية والحقوقية إلى تباين الأرقام السنوية لحالات الانتحار المسجلة، حيث أظهرت إحصائيات سابقة لمكتب النائب العام وجهات أخرى آلاف الحالات سنوياً (مثل ما رصد في تقارير سابقة تجاوزت آلاف الحالات في أعوام مثل 2021 و2022).

  • على صعيد التصنيف، تشير التقارير إلى تصدر الفئات العمرية من الشباب والمراهقين النسبة الأكبر من هذه المؤشرات، نتيجة هشاشة القدرة على مواجهة أزمات اليأس الصفري والضغط المرتبط بمتطلبات الحياة المعيشية أو الصدمات العاطفية.

  • وعلى جانب آخر، أفرزت الظاهرة إشكالية خطيرة تتمثل في انتشار “البلاغات الكاذبة” أو “المشاهد التمثيلية” لبعض المراهقين والمؤثرين (البلوجرز) الذين يلجؤون لتهديدات وهمية بالانتحار عبر البث المباشر بهدف ابتزاز أطراف أخرى أو حصد المشاهدات وتصدر التريند، وهو ما تتعامل معه الأجهزة الأمنية المصرية بحسم دوري عبر كشف ملابسات تلك الفيديوهات وإحالتها للجهات المختصة.

آراء الخبراء: لماذا تحول الانتحار إلى “عرض علني”؟

تحدثت الدكتورة رحاب العوضي، أستاذة علم النفس السلوكي، في قراءات سابقة لمثل هذه الظواهر، مؤكدة أن “تطور المجتمع ودرجات التقدم التكنولوجي رافقها تطور في سلوكيات إيذاء النفس نحو أشكال أكثر صخباً ورغبة في إحداث ضجة عارمة”. وأشارت إلى غياب منظومة الردع النفسي والترربي المتكاملة التي تدرب النشء على إدارة أزمات اليأس الحاد دون الاستسهال أو الهروب المدمر.

من جانبه، يرى خبراء الإعلام والاجتماع أن وسائل التواصل الاجتماعي منحت الأفراد شعوراً زائفاً بالأهمية المطلقة؛ فحتى في اللحظات الأخيرة، يبحث المنتحر عن منصة تمنحه “صوتاً جماهيرياً” لم يكن يمتلكه في حياته الواقعية، متجاهلاً الأثر المدمر لنقل هذه المشاهد على المتابعين، وخاصة المراهقين الذين قد يتأثرون بما يُعرف إعلامياً بـ”عدوى الانتحار” .

جرس إنذار: كيف نواجه نزيف الشاشات؟

إن تحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للموت المباشر يستدعي استراتيجية وطنية ومجتمعية عاجلة لا تقتصر فقط على الجانب الأمني أو القانوني، بل تمتد لتشمل:

  1. تفعيل دور منصات التواصل نفسها: عبر خوارزميات رصد فوري لكلمات مفتاحية أو إشارات تدل على إيذاء النفس، وقطع البث فوراً وتوجيه المستخدم لخطوط الدعم النفسي.

  2. تنشيط خطوط النجدة والدعم النفسي: مثل الخط الساخن للأمانة العامة للصحة النفسية في مصر، والتوعية المستمرة بأهمية طلب العلاج النفسي دون وصمة اجتماعية.

  3. دور الأسرة والإعلام: مراقبة السلوكيات التغيرية الحادة لدى المراهقين، والابتعاد عن التغطية الإعلامية المثيرة لحوادث الانتحار والتي قد تحول الضحية إلى “بطل تراجيدي” ملهم بطريقة غير مباشرة للآخرين.

الموت على الهواء مباشرة ليس مجرد حادث فردي عابر، بل هو مرآة مجتمعية عاكسة لعمق الهشاشة النفسية والعزلة التي يعاني منها قطاع ليس بضئيل من شبابنا وسط زحام العالم الرقمي. وإذا لم يتم تدارك الأمر بمنظومة احتواء ودعم حقيقية، ستظل الشاشات تفتح أبوابها على فصول أخرى من المأساة الصامتة التي تُرتكب جهاراً نهاراً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights