كتب: د.عبد الرحيم ريحان
الجميع يحفظ عن ظهر قلب اسم “هوارد كارتر” مكتشف مقبرة توت عنخ آمون رغم أن المكتشف الحقيقى هو حسين عبد الرسول، وهناك بطل آخر في الظل يستحق أن يخلّد اسمه وهو البطل الحقيقى مرقص باشا حنا.
وُلد مرقس باشا عام ١٨٧٢، وكان والده كاهنًا بطنطا، ربّاه جدّه وألحقه بمدرسة الأقباط الكبرى، ثم أكمل دراسته بجامعة مونبلييه في فرنسا حيث درس الحقوق. وبعد عودته عُيّن وكيلاً للنائب العام، ثم استقال ليعمل بالمحاماة ليصبح من أكبر محامي مصر وينتخب نقيبًا للمحامين لفترة طويلة.
انضم لحزب الوفد وشارك في الحركة الوطنية إلى جانب سعد زغلول ومحمود فهمي باشا وأصبح عضوًا بلجنة الوفد المركزية.
وبعد فشل المفاوضات مع الانجليز ١٩٢١ نُفي إلى سيشل، ثم حُكم عليه بالإعدام بعد عودته، لكن بسبب ثورة الشعب خُفف الحكم إلى السجن سبع سنوات وغرامة. وبعد اشتداد الثورة أُفرج عنه ومرافقيه بعد ثمانية أشهر.
تولى مرقس باشا ثلاث وزارات على فترات متقطعة..المالية .والخارجية . ووزارة الأشغال العمومية عام 1924 في حكومة الزعيم سعد باشا زغلول.
وفى فترة تولية وزارة الاشغال حدث الاكتشاف الابرز فى القرن العشرين وهو اكتشاف مقبرة توت عنخ امون ٤ نوفمبر عام ١٩٢٢
حين اكتشف “كارتر” المقبرة، تعامل معها كأنها عزبة إنجليزية خاصة؛ فمنع المصريين من دخولها، وقصر الدخول على الأجانب والصحافة الغربية فقط! لكن مرقص باشا، بذكائه وحنكته الوطنية، أدرك فورًا اللعبة: إنها محاولة ممنهجة لسرقة تاريخنا بالكامل وتفريغ المقبرة قطعة قطعة
الصدمة التي أرعبت بريطانيا:
لم يتردد مرقص باشا لحظة واحدة؛ فأصدر قرارًا تاريخيًا مدويًا بإغلاق المقبرة فورًا وتسليمها للحكومة المصرية مع تعيين حراسة من الشرطة المصرية.
وتفتيش الجميع دون استثناء، بما في ذلك “هوارد كارتر” نفسه عند الدخول والخروج ومنع الدخول إلا بتصريح رسمي مختوم بختم الوزارة وبمرافقة مندوب مصري أمين.
جن جنون الإنجليز والصحافة البريطانية (مثل جريدة التايمز التي طالبت بنصف الكنز)، وشنوا حربًا شرسة وضغطوا لمحاكمته، لكن الرجل لم تهتز له شعرة، واستمر في جرد وتسجيل كل قطّعة أثرية ونقلها تحت حراسة مشددة إلى المتحف المصري بالقاهرة.
حين رفعت الشركات والجهات المرتبطة بكارتر قضية أمام المحاكم المختلطة مستندة إلى نفوذها، أخرج مرقص باشا ” الضربة القاضية” من أدراجه؛ مستندًا إلى تصريح التنقيب الأصلي الذي ينص على “تقسيم المحتويات بشرط ألا تكون المقبرة سرقت من قبل” ولأن كارتر نفسه صرح علانية للصحافة بأن المقبرة كانت سليمة تمامًا ومغلقة، سقطت حججهم في الماء، وحسمت المحكمة بأن المقبرة مصرية خالصة ولا يملك أحد حق التدخل فيها!
كان كارتر وكارنارفون يمنيان نفسهما بالشهرة والثروة الطائلة فكانت القوانين تنص على أن المكتشف له الحق فى نصف الاكتشاف وبالتالي فأن نصف مقبرة توت كانت تعد للنقل الى لندن .
ولكن امالهم تحطمت امام مرقس حنا باشا وزير الاشغال لان القانون كان يسمح بذلك فى حالة ان تكون المقبرة ليست ملكية.. وكانت مقبرة توت مقبرة ملكية واستمر الجدال والشد ودعاوى قضائية بالمحكمة المختلطة بين مرقس باشا وكارتر.
لم يقف الصراع عند هذا الحد بينهم فعندما عزم الاخير بعد اشهر من رفع اثار التراب وتجهيز المقبرة لفتح التابوت الذهبى وقرر كارتر فتح التابوت فقط لزوجات أعضاء بعثته، هنا ثار مرقس حنا باشا وأمر بوقف احتفال كارتر وإخراجه من المقبرة واغلاقها ووضع حامية عسكرية عليها وأمر بطرده من مصر ..وهنا هتف المصريين فى الشوارع لمرقس باشا يحيا يحيا وزير توت.
وواجة مرقس باشا انتقادات دولية شنيعة كانت انجلترا تشنها عليه من خلف الستار ومعهم صحيفة التايمز اللندنية وبعد فترة حاول البعض إقناع مرقس باشا بعودة كارتر خوفا من نهب المقبرة ولكنة اشترط على كارتر شرطين مقابل عودتة، أن يحسن معاملة المصريين اثناء التنقيب وأن يكتب رسالة بعدم أحقيته في تقسيم المقبرة.
ورضخ كارتر لمرقس باشا ووافق على الشروط وعاد الى مصر وعمل بالمقبرة حتى انتهت جميع الحفريات ودعيت صحف العالم لتغطية الحدث الفريد وظلت ممتلكات الملك توت عنخ آمون باقية فى بلده.
فلولا شجاعة وذكاء هذا الرجل، لكانت أثمن كنوز الفراعنة موزعة اليوم في متاحف لندن وباريس ونيويورك، ولم يبقَ لنا في مصر سوى جدران خاوية!
كل الشكر والتقدير والاحترام لصفحة تاريخ الأقباط المنسى بقلم ابرام راجى والصفحة الرسمية لموقع الملك فاروق الاول – فاروق مصر بقلم ياسمين محمد لإلقاء الضوء على أبطال في ظل يستحقون منا كل التكريم وتخليد أسماءهم.
مرقص باشا حنا بطل مصرى أجهض أكبر مؤامرة لسرقة كنوز توت عنخ آمون







