تحقيقات و ملفاتسلايدر

السيادة الاقتصادية (2).. “خطيئة البدايات” وتفكيك شبكات النهب

  • الدستور ينهى استباحة التراث ويفرض الاستثمار السيادى
  • استرداد آلاف القطع يكرس السيادة الإدارية الكاملة للدولة
  • تفكيك مافيا التهريب الدولى والشبكات العابرة للحدود
  • إسقاط الحصانة المهربة ودحض عقود الإذعان للقناصل
  • إغلاق “ثغرة واشنطن” يجفف منابع أضخم الأسواق الدولارية
  • تطهير التراث المنقول ومحاصرة التدفقات المالية للفساد

تحقيق: رضا رفعت

إذا كانت مصر بدأت معركتها الميدانية لحماية “الأصول السيادية” والكنوز الجيولوجية والبيئية في قمم ومحميات “جبل علبة” ضد نزيف التحجير ومراكب الجر، فإن جبهة الدفاع عن “الأمن القومى الثقافى” تحركت بأدوات قانونية؛ فلم تكن انطلاقة 2014 مجرد استرداد لشتات أثرى، بل تحولاً تشريعياً أعاد ضبط الميزان السيادى، محولاً الأثر من ورقة أمنية دبلوماسية إلى استحقاق قانونى واقتصادى. 

وبالتوازى مع تفكيك ملفات الفساد التعدينى فى الجنوب، فعلت الدولة أدواتها الرادعة لتنهى “زمن الصمت”، منطلقة فى معركة لتطهير التراث المنقول، وتفنيد الحجج القانونية التى شرعنت تهريب الأصول إلى المتاحف.

د. قاسم ذكي
د. قاسم زكى عضو إتحاد الآثاريين المصريين

كان تعديل الدستور “قرار استثمار سيادى”؛ وضع الأساس القانونى لاستعادة أصول ثقافية تُقدر قيمتها السوقية بمليارات الدولارات، محولاً الأثر من “عبء تأمينى” إلى “مورد استراتيجى دولارى”.

ويحلل د. قاسم زكى، عضو اتحاد الآثاريين المصريين، طبيعة هذه المواجهة مؤكداً أن تهريب الآثار ليس (جريمة لحظة واحدة)، بل سلسلة معقدة من الأفعال تبدأ من الحفر وتنتهى بمنصات عرض؛ عبر واجهات الخبراء والفواتير المزيفة؛ مما جعل الدولة لا تواجه سارقاً عادياً، بل تواجه نظاماً دولياً يحاول غسل التاريخ و”تبييض الأثر”.

سياط الدستور

الترسانة المؤسسية
خريطة تفاعلية لأذرع الدولة المنسقة لتجهيز الملفات السيادية

كشف تقرير منظمة (اليونسكو) أن التجارة غير المشروعة بالممتلكات الثقافية تصدرت كـ”ثالث أضخم نشاط إجرامى عابر للحدود” بحجم تداول يتجاوز 10 مليارات دولار سنوياً؛ مما يجعل ملاحقة المهربين صلب معركة الأمن القومى والاقتصادى، باعتبارها أصولاً سيادية؛ تفعيلاً للمستهدف (16.4) من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ومحاصرة لآليات غسل الأموال العابرة للحدود التى تصنفها (مجموعة العمل المالي الدولية) كأحد أخطر روافد الاقتصاد الخفى، وفقاً لتقارير (صندوق النقد الدولى) التي تحذر من استغلال أسواق الفن كغطاء لتمرير التدفقات النقدية المشبوهة.

د. عبدالرحيم ريحان
د. عبدالرحيم ريحان

وفي قلب هذه المواجهة، يكشف الخبير الأثرى د. عبد الرحيم ريحان تحول مواد الدستور (49 و50) إلى “سياط قانونية” تلاحق المهربين دولياً، وتُعطّل مبدأ “التقادم”.

ويضع الدكتور زكى، تعريفاً لقضية النهب، مؤكداً أنها لم تكن مجرد (سرقة عابرة)، بل استراتيجية استعمارية استهدفت (تغريب الشخصية المصرية) عبر نزع شواهد عظمتها وإيداعها في متاحف أوروبا.

ويرى أن الاسترداد يرسخ الأمن القومى الثقافى؛ وهو تأصيل يفسر تصدُّر هذا الملف أولويات السيادة، لإنهاء إرث الاستباحة.

ويوضح د. ريحان أن المادة (50) عززت هذا المفهوم بجعل التراث المصرى ثروة قومية وإنسانية؛ ما منح الإدارة المختصة القوة القانونية للتحرك الدولى.

إن إحكام الرقابة على المنافذ الرسمية وتفكيك استغلال “الحصانة الدبلوماسية” في التهريب، حول “الحقيبة” من وسيلة عبور آمنة للمنهوبات إلى دليل إدانة جنائى، بفضل التنسيق الاستخباراتى الذى ميز سنوات التأسيس، ومهد لمرحلة استرداد القطع المسجلة.

بدأت الدوائر القانونية المصرية بالطعن فى التفسيرات الاستعمارية التى شرعنت خروج الآثار، مؤكدة أن السيادة الوطنية على التاريخ تبدأ بتفنيد الحجج القانونية التى سمحت بنهب المقابر تحت ستار البحث العلمى. ولم تكن تلك المواجهة تشريعية فحسب، بل ملاحقةً لثغرات موروثات مُجحفة؛ أبرزها “لوائح اقتسام المكتشفات” التى شرعنت سابقاً مقايضة الآثار مع البعثات الأجنبية؛ لتقطع مواد الدستور الطريق على استغلال الثغرات الزمنية للقوانين التى اتخذتها المتاحف غطاءً لتمرير الأصول، تأسيساً على (القانون رقم 117 لسنة 1983) الذي حظر بشكل قاطع نظام “قسمة الآثار” مع البعثات الأجنبية وجسّد الملكية السيادية المطلقة.

فى المقابل، تدافع متاحف عالمية عن حيازتها بمبدأ “حسن النية”. لكن القاهرة تعتبرها “عقود إذعان استعمارية”، مؤكدة أن سيادتها على آثارها لا تسقط بالتقادم، وأن لا حسن نية يبرر حيازة المنهوب.

ويكشف د. قاسم زكى عن استخدام شبكات التهريب الدولى لثغرة النَّسب الأثرى (Provenance) لصناعة سيرة ذاتية مزيفة تمنح السرقة غطاءً ناعماً تحت عبارات مضللة مثل مجموعة خاصة أوروبية لتبييض الأثر قانونياً، بحسب ممارسات “غسيل المنشأ الأثرى” التى توثقها (منظمة اليونسكو) كأخطر حيلة لتمرير المنهوبات عبر فواتير صورية مؤرخة بزمن ما قبل عام 1970 لشرعنة حيازتها.

تُرجم هذا الوعي لواقع مؤسسى بتدشين “اللجنة العليا لاسترداد الآثار” (قرار 35 لسنة 2014)، لتبدأ مرحلة “تجهيز الملفات السيادية”. وخلف هذه التحركات، خاضت اللجان القانونية مفاوضات وقضايا ممتدة أمام شركات المحاماة الدولية استناداً إلى السند الدستورى.

ويشير إلى أن هذه التحركات تمت بالتنسيق مع وزارتى الخارجية والداخلية فى “سرية تامة” لضمان الوصول للهدف دون منح المهربين فرصة لإخفاء القطع في الأسواق الموازية أو ما يعرف بـ”المناطق الحرة” جمركياً.

ولم تكن هذه التحركات المؤسسية مجرد خطة دفاعية، بل أثمرت عن نتائج إحصائية مذهلة وثقها المركز الإعلامى لمجلس الوزراء؛ حيث وضعت هذه المرحلة حجر الزاوية لاستعادة آلاف القطع فى السنوات اللاحقة.

توحش القناصل

مقارنة بين فرض السيادة الإدارية فى استرداد الآثار وحماية ثروات جبل علبة
فرض السيادة الإدارية فى استرداد الآثار

يوثق د. قاسم زكى فى كتابه “تهريب الآثار المصرية” جذور اقتصاد النهب الممنهج الذى أطلقه قناصل ومستشرقون منذ القرن السابع عشر؛ حيث تحولت الحصانة الدبلوماسية إلى غطاء لتمرير الأصول؛ كالإنجليزى “لي مير” والفرنسى “فانسلب” اللذين استغلا نفوذهما لشحن مخطوطات وقطع أثرية من سقارة إلى لندن وباريس. وتجسدت هذه الحقبة فى تحركات “برناردينو دروفيتى” (قنصل فرنسا) بشحن 5000 قطعة شكّلت نواة متحف “تورينو”، بالتوازى مع نشاط “هنرى سولت” (قنصل بريطانيا).

مسلة الأقصر في ميدان الكونكورد بباريس.. شاهد حي على "دبلوماسية النهب"
مسلة الأقصر فى باريس تجسيد حى لدبلوماسية النهب لقرنين
المسلات المنهوبة
المسلات المنهوبة نزع شواهد العظمة التاريخية

وفي الأقصر، مثّلت ممارسات “مصطفى آغا عياد” ذروة استغلال الواجهات الدبلوماسية؛ فبينما كانت أعلام بريطانيا وبلجيكا ترفرف فوق مقره، حوّل قبو المنزل إلى سوق سوداء لتجارة التاريخ، مبتكراً آلية “الحصانة المهربة” لتمرير الصناديق عبر الموانئ دون تفتيش كمتعلقات قنصلية؛ بحسب ما دحضته لاحقاً (اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية عام 1961) في مادتها (36) التي شرعنت تفتيش الأمتعة الشخصية حال وجود دلائل قوية على احتوائها على محظورات وطنية.

هذا الصراع التاريخى أنتج شتاتاً أثرياً يربو على 1.2 مليون قطعة مصرية مسجلة في متاحف العالم وفق قاعدة بيانات المجلس الدولى للمتاحف وتقارير اليونسكو، بخلاف المجموعات الخاصة التى سُربت عبر الحقائب الدبلوماسية.

وتأسست استراتيجية الدولة المصرية منذ عام 2014 على دحض شرعية “عقود الإذعان الاستعمارية” وإعادة هيكلة الملف كلياً؛ حيث مثل البروتوكول المصرى الحديث القائم على فرض “السيادة الإدارية الكاملة” الأداة القانونية الحاسمة لإغلاق ثغرات التهريب الدبلوماسى، وترميم الأصول التاريخية التى تعرضت لتجريف ممنهج على مدار قرنين.

جذور الفساد

تلاحق الدولة الجريمة المنظمة العابرة للحدود بالارتكاز إلى قواعد بيانات المجلس الدولى للمتاحف، لتفكيك موروثات الفساد التي شرعنت استنزاف الكنوز الوطنية. ويكشف التحقيق أن معالجة أثر “القطيعة التاريخية” بدأت بتصحيح بدايات مسيرة (أوغست مارييت)؛ المنقّب الذى بدأ بتهريب آثار “السيرابيوم” لمتحف اللوفر، قبل أن يضع أول قانون جمركى يمنع تصديرها خلسة، مستنداً إلى أرشيف مصلحة الآثار القديمة لخوض معارك ضد القناصل.

وتُثبت الوثائق الرسمية لقطاع المتاحف أن هذا التحول يمثل الجذر التشريعى الذى استندت إليه الدولة لفرض (السيادة الإدارية الكاملة)، امتداداً لتاريخ من القوانين التأسيسية التي بدأت بلائحة 1880 وصولاً إلى القانون رقم 14 لسنة 1912، ومحاصرة التدفقات المالية المشبوهة، محولةً النظرة للأثر من “حجر مشاع” يتم تقاسمه مع البعثات الأجنبية، إلى أصل سيادى لا يقبل القسمة أو السقوط بالتقادم. ويحذر الخبير الأثرى د. قاسم زكي من خطورة التزوير المستندى الذى يمنح الأثر رواية بديلة تمحو الجريمة.

رسم بياني يفكك رقم الشتات المرعب (مليون قطعة) ويكشف الفجوة الجمركية والتاريخية بين عقود الاستباحة السابقة وعصر الاسترداد الحديث
رقم الشتات المرعب ومؤشرات التدفقات المالية المشبوهة

حصاد الاختراق

يحدد ريحان عام 2014 كمنطلق لاستعادة الثقة فى قوة القانون المصرى دولياً؛ حيث انتزعت مصر حكماً قضائياً من المحكمة العليا في فريبورج بألمانيا لاسترداد 3 قطع محورية، تلاها استعادة 27 قطعة من الكسر الفخارية.

ويحلل الدكتور زكى هذه الضربات كاختراق لمنظومة غسل الآثار التى استغلت ثغرات قوانين الملكية الدولية (ما قبل عام 1970)، وتحديداً ثغرة “التقادم المكسب” لحيازة القطع غير الموثقة بسلسلة النَّسَب الأثرى، مؤكداً أن التحرك المصرى مثّل تقويضاً لمبدأ (الحيازة بحسن نية) الذى تذرعت به صالات المزادات لشرعنة النهب.

وفي ملف الآثار الإسلامية، استُردت 8 قطع خشبية من الدنمارك نُهبت من منبر جامع “جانم البهلوان” بعد إثبات مطابقتها لسجلات “حصر المنقولات بالمساجد الأثرية”. وتمدد الصراع القانونى ليشمل استعادة كرتوناج من فرنسا، وقطعة حجر رملى من ألمانيا مهربة من مقبرة سوبك حوتب بالأقصر.

كما وثق التحقيق ملاحقة 15 قطعة في لندن عبر صالتى كريستى وبونهامز، مستنداً إلى تفعيل النشرة الخضراء للإنتربول الدولى، ومرتكزاً على (قاعدة بيانات الإنتربول المركزية للأعمال الفنية المسروقة) لحظر تداول القطع ومنع تسويقها تجارياً.

كما وثق التحقيق ملاحقة 15 قطعة في لندن عبر صالتي كريستى وبونهامز، مستنداً إلى تفعيل النشرة الخضراء للإنتربول الدولى، في خطوة لتصحيح مسار انحرف منذ مئات السنين.

حصاد التأسيس خريطة توضح الاختراقات القانونية واستعادة الأصول
الاختراقات القانونية واستعادة الأصول

وفى عامى 2015 و2016، تجاوز الاسترداد النطاق الفرعونى ليشمل التراث القبطى واليونانى الرومانى؛ بتسلم 44 قطعة من فرنسا (تمثال رومانى، صلبان، قطع خشبية، وآلات موسيقية)، بجانب غطائى تابوتين من إسرائيل، وحشوات خشبية من لندن لـ”قبة الخلفاء العباسيين” بجبانة السيدة نفيسة.

كما سجلت الإحصائية عودة لوحة “الزيوت السبعة المقدسة” من سويسرا، وتمثال عاجى من برلين، ولوحة “نختنبو الثانى”. وتوّج هذا المسار بتسلم 4 قطع كبرى من واشنطن (تابوتان، كفن كتانى، وقناع مومياء) نتاجاً لتوقيع أول “مذكرة تفاهم” عام 2016؛ والتى فرضت بموجبها سلطات (الجمارك وحماية الحدود الأمريكية) قيوداً طارئة منعت استيراد أى أثر مصرى دون شهادة تصدير رسمية؛ مما جفف منابع أكبر سوق للآثار المنهوبة.

داخلياً، نجحت مباحث الآثار في استعادة مشكاوات جامع السلطان حسن، وضبط الجناة قبل تجاوزهم الحدود؛ لتؤكد إحكام القبضة الميدانية على التراث المنقول، وباب مقصورة السلطان الكامل، وحشوات قبة الإمام الشافعى.

ويسلط د. ريحان الضوء على عام 2017 كنموذج للتعاون العربى؛ بتسلم مصر 440 قطعة أثرية ردها سمو الشيخ سلطان القاسمى بعد ضبطها في الإمارات.

وتكشف سجلات قطاع المتاحف أن القطع المستردة حتى ذلك التاريخ خضعت لترميم فورى وعُرضت في معرض “الآثار المستردة”، فى رسالة سيادية تؤكد قدرة مصر على صون تاريخها العائد من الشتات، وهو ما مهد الطريق لما وصفه ريحان بـ”سنوات الزخم المليونى”؛ حيث تحولت القاهرة إلى طرف قانونى دولى يلاحق الأصول المهربة دون تقادم.

لم تكن خطة العمل (2014-2017) مجرد حصر للأصول المفقودة، بل كانت تحولاً نحو استراتيجية الملاحقة القضائية النشطة، فبينما كانت كنوز واشنطن والدنمارك تُسترد، كانت الأجهزة المصرية تُعد ملفاً استخباراتياً وقانونياً محكماً.

اعتمد هذا التحقيق على تحليل مواد الدستور المصرى (49-50)، وتقارير اليونسكو، وقاعدة بيانات المجلس الدولى للمتاحف، وسجلات اللجنة القومية للآثار المستردة، ومقابلات حصرية مع د. ريحان ود. زكى. ولم نتمكن من الحصول على رد رسمى من المتاحف المعنية حتى موعد النشر.

لقد كانت سنوات التأسيس هي الجسر الذى عبرت منه القاهرة نحو معارك أكثر شراسة؛ نكشف فى الحلقة القادمة كواليس “لغز حاوية ساليرنو” التى هزت أركان المافيا الدولية، وكيف تحولت الحقيبة الدبلوماسية من ثغرة للنهب إلى دليل إدانة يلاحق الجناة خلف الحدود.

كتاب تهريب الآثار المصرية المرجع الوثائقى لتفكيك موروثات الفساد وعصر الاستباحة قديماً
كتاب تهريب الآثار المصرية المرجع الوثائقى لتفكيك موروثات الفساد وعصر الاستباحة قديماً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights