منوعات

ملاحم استرداد السيادة المصرية المنهوبة (1)

  • ترسانة الدستور المصري تنهي عقود الاستباحة والقطيعة التاريخية
  • استرداد آلاف القطع الأثرية المنهوبة انتصار للسيادة الإدارية والوطنية
  • تفكيك شفرة التهريب الدولى وتحويل الحقيبة الدبلوماسية لدليل إدانة
  • كشف كواليس توحش القناصل ودحض شرعية عقود الإذعان الاستعمارية
  • ملاحقة جينات الفساد وإحكام القبضة الأمنية لتأمين التراث المنقول

تحقيق: رضا رفعت

إذا كانت مصر بدأت معركتها الميدانية لحماية “الأصول السيادية” والكنوز الجيولوجية والبيئية في قمم ومحميات “جبل علبة” ضد نزيف التحجير ومراكب الجر، فإن جبهة الدفاع عن “الأمن القومي الثقافي” لم تكن أقل شراسة خلف الحدود؛ فلم تكن انطلاقة 2014 مجرد استرداد لشتات أثرى مبعثر، بل زلزالاً تشريعياً أعاد ضبط الميزان السيادي كاملاً، محولاً قضية الأثر من (أمنية دبلوماسية) إلى (استحقاق قانونى واقتصادى) لا يسقط بالتقادم.  

وبالتوازي مع تفكيك ملفات الفساد التعدينى في الجنوب، فعلت الدولة أدواتها الرادعة لتنهي “زمن الصمت” العالمي، منطلقة في معركة تاريخية لتطهير التراث المنقول، وتفنيد الحجج القانونية الواهية التي شرعنت استلاب الشخصية المصرية وإيداعها في خزائن الغرب.

ولم يكن تعديل الدستور ترفاً تشريعياً، بل كان “قرار استثمار سيادى حاسم”؛ وضع الأساس القانونى لاستعادة أصول ثقافية وتاريخية تُقدر قيمتها السوقية بمليارات الدولارات، محولاً الأثر -تماماً كذهب أودية إيبايب ونباتات واحة الضباب- من “عبء تأميني صامت” إلى “مورد استراتيجى دولارى” يحمل الهوية الوطنية.

د. قاسم ذكي
الدكتور قاسم زكى

ويحلل د. قاسم زكي، عضو إتحاد الاثاريين المصريين، طبيعة هذه المواجهة مؤكداً أن تهريب الآثار ليس (جريمة لحظة واحدة)، بل هو سلسلة معقدة من الأفعال تبدأ من الحفر وتنتهى بمنصات عرض عالمية تتزين بـ”ألف قناع”؛ حيث يتم منح السرقة (حصانة اجتماعية) عبر واجهات الخبراء والشهادات والفواتير المزيفة؛ مما جعل “ترسانة الدستور المصرى” اليوم لا تواجه سارقاً عادياً، بل تواجه نظاماً دولياً يحاول غسل التاريخ وتحويله إلى “سلعة” مشروعة المظهر.

  • سياط الدستور

تتجاوز هذه الملحمة حدود الوطن لتصطدم بـ(ثالث أخطر تجارة إجرامية عالمياً) وفقاً لليونسكو؛ مما يجعل ملاحقة المهربين صلب معركة الأمن القومى والاقتصادى، باعتبارها “أصولاً سيادية” تُقدر بمئات الملايين من الدولارات. وكانت هذه التحركات (هجوماً استباقياً) تفعيلاً للمستهدف (16.4) من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة؛ حيث كشف تقرير منظمة (اليونسكو) أن التجارة غير المشروعة بالممتلكات الثقافية تصدرت كـ “ثالث أضخم نشاط إجرامى عابر للحدود عالمياً” بحجم تداول يتجاوز 10 مليارات دولار سنوياً.

د. عبدالرحيم ريحان
الدكتور عبدالرحيم ريحان

وفي قلب هذه المواجهة، فتح الخبير الأثرى د. عبد الرحيم ريحان دفاتر سنوات التأسيس (2014-2017)، كاشفاً تحول مواد الدستور (49 و50) إلى “سياط قانونية” تلاحق المهربين دولياً، وتعتبر الجريمة لا تسقط بالتقادم؛ وهو النص الذي تحول لـ”مذكرة توقيف دولية” أسقطت حجية “التقادم المسقط” في صالات المزادات.

ويضع الدكتور زكى، تعريفاً حاشداً لقضية النهب، مؤكداً أنها لم تكن مجرد (سرقة عابرة)، بل استراتيجية استعمارية استهدفت (تغريب الشخصية المصرية) عبر نزع شواهد عظمتها وإيداعها في متاحف أوروبا.

 ويرى أن معركة الاسترداد هي (معركة تحرر وطنى) متأخرة لاسترجاع (الأمن القومى الثقافى)؛ وهو تأصيل يفسر وضع الدولة هذا الملف على رأس أولويات السيادة الوطنية، باعتبار كل قطعة تعود انتصاراً لإرادة الدولة على إرث طويل من الاستباحة الاستعمارية.

ويوضح د. ريحان أن المادة (50) عززت هذا المفهوم بجعل التراث المصرى ثروة قومية وإنسانية؛ ما منح القوة القانونية والسياسية لإدارة الآثار المستردة بالمجلس الأعلى للآثار ومديرها الدكتور شعبان عبد الجواد للتحرك الدولي.

إن إحكام الرقابة على المنافذ الرسمية وتفكيك استغلال “الحصانة الدبلوماسية” في التهريب، حول “الحقيبة” من وسيلة عبور آمنة للمنهوبات إلى دليل إدانة جنائى، بفضل التنسيق الاستخباراتى الذي ميز سنوات التأسيس، وهو ما وضع اللبنة الأولى لسنوات الزخم المليونى اللاحقة.

في إطار هذه النهضة التشريعية، بدأت الدوائر القانونية المصرية في وضع حجر الأساس للطعن في التفسيرات الاستعمارية التي شرعنت خروج الآثار، مؤكدة أن السيادة الوطنية على التاريخ تبدأ بتفنيد الحجج القانونية الواهية التي سمحت بنهب المقابر تحت ستار البحث العلمى. ولم تكن تلك المواجهة تشريعية فحسب، بل ملاحقةً لثغرات موروثات جائرة؛ أبرزها “لوائح اقتسام المكتشفات” التي شرعنت سابقاً مقايضة الآثار مع البعثات الأجنبية، لتقطع ترسانة الدستور الحالي الطريق على استغلال “فجوة الزمن” التي اتخذتها المتاحف غطاءً لتمرير الأصول المنهوبة. يفكك التحقيق خديعة “الوثائق البديلة” التي تخلط بين “تقرير الخبرة الفنية” و”إثبات المصدر القانوني”. تُرجم هذا الوعي لواقع مؤسسى بتدشين “اللجنة العليا لاسترداد الآثار” (قرار 35 لسنة 2014)، لتبدأ مرحلة “تجهيز الملفات السيادية”. وخلف هذه التحركات، خاض “الكوماندوز القانونى” معارك نفس طويل أمام شركات المحاماة الدولية، لينتصر السند الدستوري في النهاية.

ويشير إلى أن هذه التحركات تمت بالتنسيق مع وزارتي الخارجية والداخلية فى “سرية تامة” لضمان الوصول للهدف دون منح المهربين فرصة لإخفاء القطع في الأسواق الموازية أو ما يعرف بـ”المناطق الحرة” جمركياً.

ولم تكن هذه التحركات المؤسسية مجرد خطة دفاعية، بل أثمرت عن نتائج إحصائية مذهلة وثقها المركز الإعلامي لمجلس الوزراء؛ حيث وضعت هذه المرحلة حجر الزاوية لاستعادة آلاف القطع في السنوات اللاحقة.

  • توحش القناصل

يوثق د. قاسم زكي حقبة (توحش القناصل) في كتابه “تهريب الآثار المصرية”؛ حيث تحولت الحصانة لغطاء نهب، كما فعل برناردينو دروفيتي (قنصل فرنسا) بشحن 5000 قطعة شكّلت نواة متحف تورينو وكذلك هنري سولت (قنصل بريطانيا). ويرى زكى أن استرداد الآثار منذ 2014 هو الفصل الأخير لدحض (عقود الإذعان) وترميم ذاكرة تعرضت لتجريف ممنهج. وتعد شخصية “مصطفى آغا” مبتكر (الحصانة المهربة) الثغرة التي أغلقها البروتوكول المصري الحديث تحت مبدأ (السيادة الإدارية الكاملة).

مسلة الأقصر في ميدان الكونكورد بباريس.. شاهد حي على "دبلوماسية النهب"
مسلة الأقصر في ميدان الكونكورد بباريس.. شاهد حي على “دبلوماسية النهب”

هذا العمق يفسر تعقيد المعركة الحالية؛ فهى ليست مجرد استرجاع قطع خرجت في عقود، بل محاولة لترميم ذاكرة تعرضت لـ(تجريف ممنهج) لقرنين.

ويكشف زكي عن شخصية مصطفى آغا عياد، الذي جسد ذروة الفساد الدبلوماسى في الأقصر؛ فبينما كانت أعلام بريطانيا وبلجيكا ترفرف فوق منزله، كان يحول قبو المقر إلى “سوق سوداء” لتجارة التاريخ. ويعد آغا، وفقاً لزكي، المبتكر الأول لمفهوم (الحصانة المهربة)؛ إذ كانت صناديقه تعبر الموانئ دون تفتيش كمتعلقات قنصلية. هذا الصراع التاريخى يمثل الجذور القانونية التي استندت إليها الدولة لإعادة هيكلة الملف، حيث أغلقت القوانين والبروتوكولات الحديثة تلك الثغرات التاريخية تماماً تحت مبدأ فرض (السيادة الإدارية الكاملة) على الأرض.

يضع د. زكى يده على جرح “النهب الممنهج” الذي بدأه قناصل ومستشرقون منذ القرن السابع عشر؛ حيث رصد تحول دبلوماسيين كـالبريطاني (لي مير) والفرنسي (فانسلب) إلى تجار آثار استغلوا حصانتهم لتفريغ مقابر سقارة وشحن المخطوطات والطيور المحنطة إلى باريس ولندن.

ويجد الرقم المرعب لشتات الآثار (مليون قطعة) سنده الدائم في قاعدة بيانات المجلس الدولي للمتاحف وتقارير اليونسكو؛ إذ تضم متاحف العالم أكثر من 1.2 مليون قطعة مصرية مسجلة، بخلاف المجموعات الخاصة التي سُربت تاريخياً عبر (الحقائب الدبلوماسية).

  • جينات الفساد

تقتفي الدولة المصرية جينات الجريمة المنظمة العابرة للحدود بالارتكاز إلى قواعد بيانات المجلس الدولى للمتاحف، لتفكيك موروثات الفساد التي شرعنت استنزاف الكنوز الوطنية. ويكشف التحقيق أن معالجة أثر “القطيعة التاريخية” بدأت بتصحيح خطيئة البدايات التي تجسدت في مسيرة (أوغست مارييت)؛ المنقّب الذي بدأ حياته بتهريب آثار “السيرابيوم” لصالح متحف اللوفر، قبل أن يسترد وعيه الوطنى ويتحول للمؤسس الأول لحماية الآثار المصرية بوضعه أول قانون جمركى يمنع تصديرها خلسة، مستنداً إلى أرشيف مصلحة الآثار القديمة لخوض معارك ضارية ضد القناصل الأجانب وتجار البازارات. وتُثبت الوثائق الرسمية لقطاع المتاحف أن هذا التحول التاريخى يمثل الجذر التشريعى الذي اتكأت عليه الدولة لفرض (السيادة الإدارية الكاملة)، ومحاصرة التدفقات المالية المشبوهة، محولةً النظرة للأثر من “حجر مشاع” يتم تقاسمه مع البعثات الأجنبية، إلى ملف “أمن قومى واقتصادى” لا يقبل القسمة أو التفريط بالتقادم.

رسم بياني يفكك رقم الشتات المرعب (مليون قطعة) ويكشف الفجوة الجمركية والتاريخية بين عقود الاستباحة السابقة وعصر الاسترداد الحديث
رسم بياني يفكك رقم الشتات المرعب (مليون قطعة) ويكشف الفجوة الجمركية والتاريخية بين عقود الاستباحة السابقة وعصر الاسترداد الحديث
  • حصاد الاختراق

يحدد الدكتور ريحان عام 2014 كمنطلق لاستعادة الثقة في قوة القانون المصرى دولياً؛ حيث انتزعت مصر حكماً قضائياً من المحكمة العليا في فريبورج بألمانيا لاسترداد 3 قطع محورية، تلاها استعادة 27 قطعة وكسر فخارية كانت تُتداول فى (أسواق التداول الموازى).

ويحلل الدكتور زكي هذه الضربات كاختراق لمنظومة غسل الآثار التي استغلت ثغرات قوانين الملكية الدولية (ما قبل عام 1970)، مؤكداً أن التحرك المصرى مثّل صفعة لمبدأ (الحيازة بنية حسن النية) الذي تذرعت به صالات المزادات العالمية لشرعنة النهب.

ويرصد د. ريحان اختراقاً نوعياً في ملف “الآثار الإسلامية” باسترداد 8 قطع خشبية من الدنمارك سُرقت من منبر جامع “جانم البهلوان” عام 2008، بعد إثبات مطابقتها لسجلات “حصر المنقولات بالمساجد الأثرية”. وتمدد الصراع القانوني ليشمل استعادة كرتوناج ملون من فرنسا، وقطعة حجر رملي من ألمانيا (نُهبت) من مقبرة سوبك حوتب بالأقصر.

كما وثق التحقيق ملاحقة 15 قطعة في لندن عبر صالتي كريستى وبونهامز، مستنداً إلى تفعيل النشرة الخضراء للإنتربول الدولى، في خطوة لتصحيح مسار انحرف منذ مئات السنين.

وبالانتقال إلى ذروة النشاط في عامي 2015 و2016، يرصد ريحان توسعاً نوعياً تجاوز الآثار الفرعونية ليشمل “التراث القبطي” النادر؛ حيث رصد استعادة 44 قطعة من فرنسا (تمثال روماني، صلبان، قطع خشبية، وآلات موسيقية عتيقة)، بجانب غطائى تابوتين من إسرائيل، وحشوات خشبية من لندن سُرقت من “قبة الخلفاء العباسيين” بجبانة السيدة نفيسة.

كما سجلت الإحصائية عودة لوحة “الزيوت السبعة المقدسة” من سويسرا، وتمثال عاجى من برلين، ولوحة “نختنبو الثانى”. وتوّج هذا المسار بتسلم 4 قطع كبرى من واشنطن (تابوتان، كفن كتانى، وقناع مومياء) نتاجاً لتوقيع أول “مذكرة تفاهم” تاريخية عام 2016؛ والتي أغلق بموجبها ما يُعرف بـ “ثغرة واشنطن” عبر فرض قيود قانونية منعت استيراد أى أثر مصرى دون شهادة تصدير رسمية؛ مما جفف منابع أكبر سوق للآثار المنهوبة عالمياً.

ويسلط د. ريحان الضوء على عام 2017 كنموذج للتعاون العربى؛ بتسلم مصر 440 قطعة أثرية ردها سمو الشيخ سلطان القاسمى بعد ضبطها في الإمارات.

داخلياً، نجحت مباحث الآثار في استعادة مشكاوات جامع السلطان حسن بزخارفها المموّهة بالمينا والذهب، وضبط الجناة قبل تجاوزهم الحدود؛ في ملحمة استخباراتية أكدت إحكام القبضة الميدانية على التراث المنقول، وباب مقصورة السلطان الكامل، وحشوات قبة الإمام الشافعي.

وتكشف سجلات قطاع المتاحف أن هذه القطع خضعت لترميم فورى وعُرضت في معرض “الآثار المستردة” عام 2016، في رسالة سيادية تؤكد قدرة مصر على صون تاريخها العائد من الشتات، وهو ما مهد الطريق لما وصفه ريحان بـ “سنوات الزخم المليونى”؛ حيث تحولت القاهرة إلى “لاعب شرس” لا يتهاون في حقوقه التاريخية مهما طال أمد التهريب.

لم تكن ملحمة التأسيس (2014-2017) مجرد استعادة لشتات أثرى، بل كانت إعلاناً سيادياً بانتهاء عصر الدفاع وبدء مرحلة “الهجوم المؤسسى”. فبينما كانت كنوز واشنطن والدنمارك تستقر في مخازنها، كانت الأجهزة المصرية تنسج خيوط (كمين استخباراتي وقانونى) سيقلب موازين القوى في أسواق السلاح والآثار العالمية.

لقد كانت سنوات التأسيس هي الجسر الذي عبرت منه القاهرة نحو معارك أكثر شراسة؛ نكشف في الحلقة القادمة كواليس “لغز حاوية ساليرنو” التي هزت أركان المافيا الدولية، وكيف تحولت الحقيبة الدبلوماسية من ثغرة للنهب إلى دليل إدانة يلاحق الجناة خلف الحدود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights